الدكتور وائل التل يكتب ... من (صباح الهروط) إلى (فجر الكرك)
نيروز – بقلم أ.د. وائل عبد الرحمن التل
كثيرة هي ثورات القبائل والعشائر الأردنيّة عبر القرون ضد
الأطماع والحكم الخارجي رفضاً للظلم والقهر والخُنوع، ومتمسّكين باستقلالهم وإرثهم
وأَنَفَتِهم، تحديداً الثورات الصغرى والوسطى التي تَمَحَّصْتُها منذ عام 1495م إلى
انطلاقة الثورة العربية الكبرى عام 1916م، كما كانت هذه القبائل والعشائر تَفْخَرُ
بنخواتها، وهي نخواتٌ تُدْفِقُ الدّم في عروق رجالاتها اعتزازاً وفزعة، وتُجفّفه في
عروق أعدائها خوفاً ورهبة، وقد كانت المواقعُ القتالية في تلك الثورات ضد تلك الأطماع
والحكم الخارجي مشهودةٌ وموثّقة.
لكن موقعة (صباح الهروط) التي وقعت عام 1887م شدّت انتباهي
في أسبابها وتفاصيلها، فإضافة إلى ما سبق أعلاه من أسباب، فقد أمعنت الحاميات التركية
في سرقة قطعان قبيلة بني حميدة من الإبل والغنم، ومن محاصيلها التي جُمعت ببيادرها
في "لب"، فَطَفَحَ كَيلُ القبيلة ونَفَذَ صبرُها، وأطلقت صيحة الحرب (سِّيَاح
يا هَلي)، إحدى نخواتها، فلبّى الصَّيحةَ كلُّ من سمعها من فرسان القبيلة، واستمر القتال
فيها من الصّباح حتى مغيب الشمس، فرَدَّت الهجوم عن مضاربها بعد أن قدّمت كوكبة من
الشهداء، وأوقعت عدداً من القتلى، لكنّ حالة التوتر بين الطرفين بقيت قائمة إلى أن
سيّرت الحاميات انتقاماً لخسائِرها وهَيبتِها قوة عسكرية مدجّجة بالجنود والسلاح إلى
(الذُّهَيْبة والثَمَد)، فاستدرجت القبيلة هذه القوّة بذكاءٍ وفطنةٍ إلى وسط حقول القمح
اليابسة وأشعلت النيران بها، فكانت موقعة شرسة، وجاءت نتائجها قاصمة، حتى وُصِفت القبيلة
على إثرها بـِ (قاهرة الأتراك) أو (ذبّاحة الدول).
كانت هاتين الموقعتين الشرارة التي أجّجت لثورة قبيلة بني
حميدة عام 1889م ومَن انضمّ إليها من القبائل والعشائر المُتحالفة معها، وأَرْهَصَت
مع حركة الشوبك عام 1905م لثورة الكرك عام 1910م (الهَيّة)، والتي شملت كل المنطقة
ومناطق الطفيلة ومعان، فجاءت ثورة جارفة على كلّ الأسباب، مثل ارتفاع الضرائب وتضخّمها
عدداً وقيمةً، وقانون التجنيد الإجباري وإجراءات تطبيقه التعسّفية، ومصادرة سلاح الأهالي،
والاستقواء على العزّل واضطهادهم وظلمهم، والتنكيل بالثوار وإصدار الأحكام بالإعدام،
فانعدمت الثقة، واستمرّ تعاظمُ احتقان النّفوس، خاصة بعد مقتل قائد ثورتهم الشيخ قَدْر
المجالي بالسُّم على يد الحكومة التركية بعد سنتين من انطلاق الثورة، لذلك لم يترددوا
في الانضواء تحت لواء الثورة العربية الكبرى وساهموا معها في اجتياح الحاميات التركية.
لقد توّجت ثورة الكرك عام 1910م تضحيات القبائل والعشائر
الأردنيّة في كلّ الثورات الصغرى والوسطى، وجمعت قلوبها على وحدة الهدف وتحقيق التّعاضُد
وتحديد المصير، فأسهمت معها ببزوغ (فَجر الثورة العربية الكبرى) في بلادنا المُباركة
مع الهاشميين، وانطوت تحت لوائهم الشّريف.
وما زالت عشائرُ الكرك اليوم على عهد أجدادِنا أوفياء لمبادئ
وقيم الثورة العربية الكبرى، ولقِيمنا الدينية والإنسانية، التي تأسست عليها الدولة
الأردنية، فبَزَغ معها وبها من جديد (فجرُ الكرك 2026)، حين هبّت كُلُّها نُصرةً لأهلنا
في (حَمود)، إثر الجريمة البشعة النكراء المؤلمة، وكان بيانُها الذي ألقاهُ باسمها
(اللواء المتقاعد الشيخ/ عبد الجليل المعايطة) مُقتضبٌ، بلا مُزاودةٍ ولا مِنَّةٍ فيه،
مُدركةً بيقظتها الدائمة الحقيقة "حقيقة برّ الجيرة وحفظ العيش والملح، وأنها
جزءٌ من منظومة الأمن الوطني، وأنها في الكُرب والملمّات عشيرة واحدة"، ومُدركةً
بفطنتها الفَرق بين المعلومة الموثوقة والتضليل، ومُدركةً بوعيها وانتمائها طبيعة التهديد
وأهدافه، لذلك ستبقى الكرك، كما كانت قبل (حَمود)، عصيّة على الأهداف الخبيثة للإرهاب
بضرب أمننا الوطني، ووحدتنا الوطنية، ونسيجنا الاجتماعي.
كما أسهمت العشائر المسيحيّة في بلادنا المباركة ببزوغ (فجر
الكرك 2026) بعمق انتمائها وصدق ولائها وتحمّلها للمسؤولية الوطنيّة حين تكاتفت لدرء
أحد أخطر التهديدات التي يمكن أن تواجهها مملكتنا، وضَربت الفتنة قبل مَهْدِها، وأحبطت
خطر تداعيات تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة، وتوّجت ذلك بالحِكمة بتقبّل العزاء في
الدواوين والمضافات وليس في كنائسها؛ فبعثت للعالم كلّه برسالة واضحة ونيّرة بأننا
في الأردنّ كلّنا أردنيون، وأنّ قضيتنا قضيّة أردنيّة خالصة.
أخيراً، كلُّنا ثقةٌ بحكمة وحزم جلالة الملك عبد الله الثاني
ابن الحسين، وبِحِنكة ويقظة المخابرات العامّة الأردنيّة، وبقوّة قواتنا المسلحة وأجهزتنا
الأمنية وقدرتها على حماية الحِمى، ليبقى (فجر الأردن) في بزوغٍ دائم، ونحنُ الأردنيون
كما غَضِبنا لغَضْبَة الملك فإننا سنبقى على العَهد: "لن نسمح للإرهابيين الخوارج
بأن يمسّوا أمن هذا الوطن ووحدته"، وأن الأردنّ سيبقى: "عَصيّاً على كلِّ
مُعتدٍ غاشم، ومَهيباً في وجه كلّ متغافلٍ عن تاريخ هذا الوطن"، ولن نُخيّبَ للملك
رهانٌ: "وما يزال رهاني على الأردنيّ، على وعيه حين تَلتبس الطُرق، وعلى حِكمته
حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حينما تشتد المِحَن"، والسلام.
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر { وكالة نيروز الإخبارية } الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها فقط. © 2019 - جميع الحقوق محفوظة.