للعشيرة مسؤولية يحملها رجالها ووجهاؤها، وتظهر حقيقتها حين تضيق الأحوال وتُختبر المواقف. وهي مسؤولية تقوم على صون الدم، وإغاثة الملهوف، وردّ الظلم، وحماية الوطن الذي يجمع أبناءنا ويحفظ كرامتهم ومستقبلهم.
وما شهدناه من اعتداء إرهابي في الكرك، ومن استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة في عمّان، يضع أمامنا واجبًا عشائريًا ووطنيًا واضحًا: أن نُسند الدولة في تطبيق القانون، وأن يكون موقفنا من الاعتداء على الأرواح ثابتًا، مهما كانت قرابة المعتدي أو اسمه أو مكانته.
حرمة الدم الأردني واحدة. المواطن في دار عبادته، ورجل الأمن في موقع خدمته، وكل إنسان يسير آمنًا بين أهله، لهم حق علينا في الحماية والنصرة. ومن يعتدي عليهم يجب أن يتحمل مسؤولية فعله أمام القضاء، وأن ينال العقوبة التي يستحقها متى ثبتت إدانته.
ومن موقعنا العشائري، علينا أن نقول لأبنائنا بوضوح: نصرة القريب تكون بردّه عن الخطأ، ومنعه من الظلم، وإلزامه بتحمل تبعات فعله. ووجاهة الرجال أمانة ينبغي أن تُصرف في إحقاق الحق وإطفاء الفتنة، وأن تبقى بعيدة عن الضغط لتعطيل التحقيق أو التأثير في الشهود أو الانتقاص من حقوق الضحايا.
ولأهل المصاب حق في أن يجدوا الوجهاء إلى جانبهم، يحفظون كرامتهم، ويصونون حريتهم في المطالبة بالعدالة. فلا يجوز أن يتحول وجع الأسرة إلى مناسبة للضغط عليها، أو أن تُحمَّل فوق فقدها حرج المجاملة والاستجابة للجاهات. وليكن الإصلاح، حيث يسمح به القانون، قائمًا على الرضا وصيانة الحقوق واحترام الحق العام.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الجريمة تقع على مرتكبها ومن تثبت مشاركته فيها. وقد قال تعالى: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ». فلا تُدان عائلة بفعل أحد أفرادها، ولا يُفتح باب الإساءة إلى عشيرة أو منطقة. والالتزام بهذا الأصل يحفظ عدالة الموقف، ويمنع أن تمتد الجريمة إلى خصومات جديدة بين أبرياء.
وتبدأ مسؤوليتنا كذلك داخل البيوت والدواوين. علينا أن نمنح أبناءنا وقتًا للحوار، وأن نأخذ التهديد بالعنف والتحريض عليه مأخذ الجد، وأن نتعاون مع الجهات المختصة عندما تتوافر معلومات جدية عن خطر يهدد الناس. فالتدخل المسؤول في وقته قد يحمي شابًا من طريق الجريمة، ويحفظ أسرة أخرى من الفاجعة.
كما أن من واجبنا إسناد مراجعة القوانين وتغليظ العقوبات حيث تثبت الحاجة، والمطالبة بضبط أسباب التخفيف ومحاسبة المحرّض والمموّل والمسهّل بحسب ما يثبته القضاء. وننتظر من المؤسسات المعنية مراجعة جادة تُعلن نتائجها وتتابع تنفيذها، بما يعزز حماية المجتمع ويصون حقوق الناس.
وقوة العشيرة تُقاس أيضًا بما تقدمه بعد وقوع المصاب: رعاية أسر الشهداء، ومساندة المصابين، وإسناد من انقطعت بهم أسباب العيش، ومواصلة السؤال عنهم بعد انقضاء أيام العزاء. فالتكافل الذي نعتز به يستحق أن يتحول إلى عمل دائم ومنظم.
إن كلمة الشيخ ووجيه العشيرة تترتب عليها مسؤولية؛ يسمعها الأبناء، ويُبنى عليها موقف، وقد تهدأ بها نفوس أو تُستثار بها خصومة. ولهذا يجب أن تكون كلمة عدل واتزان، تحفظ للدم حرمته، وللقضاء استقلاله، وللوطن وحدته.
هذا عهد ينبغي أن يجد أثره في سلوكنا: أن نحمي أبناءنا من الظلم ومن ارتكابه، وأن نسند المظلوم، وأن نضع مكانتنا في خدمة القانون. فبصلاح الموقف وحكمة الرجال تؤدي العشيرة واجبها تجاه الأردن وأهله.@