في مساء الخميس لم يكن كباقي الأمسيات في العاصمة عمان ، حين كانت الشوارع تعج بالعابرين والقلوب تطمئن لظل الأمن والأمان ، امتدت يد الغدر الآثمة والوجه الكالح للفكر المتطرف لتستهدف عينا ساهرة من عيون الوطن . رحل في مقتبل العمر وفي زهرة الشباب البطل العريف جواد علي خلف السلايطة ، صاحب الواحد وعشرين ربيعا ، أحد مرتبات مديرية الأمن العام ، إثر عمل إرهابي غادر وجبان استهدافه بسلاح أبيض أداه بحرفه وهو على رأس عمله في شارع المدينة المنورة .
لقد كان المشهد يقطر ألما وقسوة حين وقف الشهيد البطل يحمي خطوات العابرين ويؤمن وصولهم إلى منازلهم آمنين ، بينما وقف خمسة أشخاص حول القاتل وهو يغدر برجل الأمن ممسكا ببندقيته ولم يمنحوه إياها ليكمل إجرامه بحقهم ، ومرت مركبة أمام الحادث مباشرة ومركبات أخرى أكملت طريقها وكأن الأمر لا يعنيها في لحظة بذل فيها جواد روحه رخيصة لأجلهم . أي بؤس هذا يا عالم ، حين يغتال الغدر زهرة شباب نذر نفسه لحماية أرواح الناس ، وحين تتباين مواقف البشر بين جندي يفتدي وطنه بدمه وبين عابر يمر متجاهلا فجيعة الدم الطاهر ؟!
وما زاد الطين بلة وأجج لوعة القلب هو ذلك السقوط الأخلاقي المروع من بعض المارة الذين وقفوا يصورون ويوثقون هذه المأساة بدم بارد دون أن يحركوا ساكنا لنجدة الشاب أو إسعافه . تخيلوا كيف كان موقف والد ووالدة وإخوان وأخوات وعشيرة هذا الفتى وهم يشاهدون تفاصيل رحيله المؤلم تتناقلها الشاشات بكل قسوة وبدون أي وازع من ضمير أو إنسانية . أي فرق حقا بين يد غدر طعنت جسدا طاهرا وبين عيون تجردت من الرحمة وراحت تقتات على جراح الموت ؟!
تتضاعف مرارة الفقد وحسرة القلوب حين يستذكر الأهل والمحبون في منطقة المشيرفة بمحافظة مادبا ذلك الشاب الأعزب الذي لم تكتمل أحلامه البسيطة ، ليرحل تاركا خلفه أما ترتجف دمعا ، وأبا وأشقاء تذوب قلوبهم حزنا على فتى ترك في صمت فراغا لا يملؤه إلا ذكرى بطولته وصدق انتمائه ، بينما يسطر رفيق دربه المصاب الملازم الثاني فراس العنانزه صفحة من الصمود والثبات تحفه الدعوات بالشفاء العاجل ليعود إلى أهله سالما معافى .
إن هذا الوطن المعطاء المميز يبقى دائما مستهدفا ليس فقط من الخلايا الإرهابية الظلامية ، بل وأيضا من أصحاب وأرباب السوابق الذين يثيرون الفتن ويحاولون بكل طرق الخبث أن يقلقوا راحة المواطنين الشرفاء وينزعوا الطمأنينة عن مؤسساتنا وأجهزتنا الأمنية الساهرة على أمن هذا الحمى العربي الأصيل وتعكير صفو أمنه وأمانه .
إن هذه الجريمة النكراء التي ارتكبت بسلاح أبيض وبأيدي الظلاميين لم تكن مجرد اعتداء على فرد ، بل كانت طعنة في قلب الوطن بأسره ، ودعوة حتمية لا تحتمل التأجيل لإجراء مراجعة جذرية وشاملة للتشريعات ومنظومة الردع القانوني والأمني ، وتغليظ العقوبات بحق كل من تسول له نفسه المساس بأمن الأردنيين أو الترويج للفكر التكفيري المضلل ، لتبقى دماء جواد أمانة ثقيلة في ذمة الوطن ودرعا لحمايته .
سلام على روحك الطاهرة يا جواد في الخالدين ، ودعاؤنا بالشفاء العاجل لرفيق دربك ، وحفظ الله الأردن حصنا منيعا وعصيا على كل حاقد وغادر ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .