في لحظات التحدي والشدة، تتجلى طينة الشعوب وحقيقة المعادن؛ وما ألمّ بنا في حادثة كنيسة حمود في محافظة الكرك الأبية، لا يمكن وصفه إلا بأنه اعتداء آثم على كل بيت أردني وعلى قِيَمنا الوطنية والإنسانية. إننا إذ نشجب ونستنكر بأشد عبارات الاستنكار هذه الحادثة الإجرامية، لنؤكد بصوت واحد لا يقبل التردد: إن الإرهاب لا دين له ولا وطن، ولا يمتُّ بأي صلة للشرائع السماوية ولا للقيم الأخلاقية التي نبتت عليها هذه الأرض المباركة.
إن ما جرى يستدعي منا جميعًا أن نقف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، نلملم جراحنا بوعي وثبات، ونلتف بثقة مطلقة خلف قيادتنا الهاشمية الحكيمة، وخلف أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة الباسلة، العين الساهرة التي تحمي حمى الوطن وتذود عن أمنه واستقراره. إن دحر الإرهاب ونبذ التطرف ليس مجرد شعار، بل هو واجب وطني مقدس يحتم علينا العمل بشدة وجدية لاجتثاث هذا الفكر الظلامي من جذوره؛ هذا الفكر الدخيل الذي يحاول بين الحين والآخر أن يقضّ مضاجع الشعب الأردني ويهدد أمنه المجتمعي.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية وطنية مضاعفة تقع على عاتق وسائل الإعلام وقادة الرأي والمفكرين الذين يطلون عبر الشاشات والمنصات؛ إذ يتوجب عليهم انتقاء المصطلحات والخطابات بدقة ومسؤولية. وهنا لا بد من الوقوف بصرامة لنبذ ونقد بعض المفاهيم التي يتم تداولها حسن نية أحيانًا، مثل مصطلح "التعايش" بيننا وبين إخواننا المسيحيين. فإن هذا المصطلح، وإن بدا براقًا، يحمل في طياته إيحاءات خاطئة قد تغذي أفكارًا متطرفة لدى ضعفاء النفوس، وكأن المسيحيين طارئون على هذه الأرض أو أتوا من كوكب آخر، في حين أن الحقيقة الساطعة هي أن إخواننا المسيحيين هم أصحاب أرض وأبناء هذا الوطن الأصليون، وحضورهم يستند إلى أصول تاريخية ضاربة في العمق منذ ما قبل تأسيس الدولة الأردنية؛ فقد كانت القبائل والعائلات العربية يعتنق كثير منها الديانة المسيحية قبل نزول الرسالة الإسلامية الخالدة، وعندما جاء الإسلام أسلم من أسلم وبقي من بقي على ديانه بحرية وإخاء، فهم إخوة لنا في الدم والعرق والوطن والمصير، يسري في عروقهم حب الأردن كما يسري في عروق إخوانهم المسلمين.
لقد عاش المسيحيون مع سائر أبناء الشعب الأردني، نتشارك معًا الأفراح والأحزان، ونقتسم خبز الحياة والواجب. ولعل في مدننا الأردنية العريقة -وعلى رأسها الكرك الأبية- أبهى الصور التلاحمية؛ حيث تتداخل العشائر ويحظى الإخوة المسيحيون بين أبنائها بكل احترام وتقدير ومكانة رفيعة. ومنذ نعومة أظفارنا، نشأنا ونحن نرى الجيرة الصالحة تتوارثها الأجيال؛ فكانوا جيرانًا لأجدادنا وآبائنا، وزملائنا في المدارس والجامعات وميادين العمل المختلفة، فلم نَرَ منهم إلا كل خير ومحبة ونخوة، وكانوا دائمًا أصحاب احترامٍ عميق لمعتقداتنا الدينية، كما نحترم نحن معتقداتهم ودينهم؛ فالقاعدة القاطعة هي: "لهم دينهم ولنا ديننا".
لقد ساهم الإخوة المسيحيون بفاعلية وإخلاص في بناء مؤسسات هذا الوطن المدنية والعسكرية، وتسنموا أرفع المناصب القيادية، وقدموا مع إخوانهم المسلمين التضحيات والشهداء رفعة للأردن وحماية لترابه. هم شركاء في المسيرة وصناع في التاريخ، لهم ما لنا من حقوق وعليهم ما علينا من واجبات سواسية أمام القانون وتحت مظلة المواطنة الصادقة. وسيبقى الأردن، بوعي أبنائه وحكمة قيادته وبسالة حراسه، عصيًا على كل محاولات الاختراق والتفرقة، وسيبقى هذا الفكر المتطرف هامشيًا دحورًا أمام صلابة نسيجنا الوطني. حمى الله الأردن الغالي، ورحم شهدائه، وحفظ أمنه واستقراره في ظل قيادته الهاشمية المظفرة.