نشأ وترعرع العميد المتقاعد عبدالسلام عطية الجازي في مضارب قبيلة الحويطات، وتحديدًا في بلدة أذرح التاريخية، حيث عاش تفاصيل الحياة البدوية الأصيلة، وتشكل وعيه الأول في بيئة ارتبط أهلها بالأرض والماء والعمل.
ويستعيد أبو سامي ذكريات عين الماء الشهيرة في أذرح، وكيف كانت مصدرًا مهمًا لحياة الناس ومعيشتهم، إذ أقام الأهالي زراعتهم حولها، وتدبروا شؤون حياتهم بما توفره الأرض من خيرات.
كما شهد في طفولته بدايات التعليم في البلدة، حين افتتح قسم الثقافة مدرسة في أذرح خلال منتصف أربعينيات القرن الماضي، لتعليم أبناء البادية العلوم الأساسية. ويتذكر كيف كان أبناء البلدة، وهم في سن صغيرة، يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، في وقت كانت فيه الأسر تخرج إلى الحقول ومناطق الزراعة لحصاد القمح والشعير.
ولم يكن طريق التعليم بالنسبة لأبو سامي سهلًا؛ ففي عمر لم يتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، التحق بمدرسة الثقافة في العبدلي مطلع خمسينيات القرن الماضي. وكان الانتقال إلى عمان، بالنسبة لابن البادية القادم من جنوب الأردن وفي مثل هذا العمر، يمثل غربة حقيقية وبعدًا عن الأهل والبيئة التي نشأ فيها.
إلا أن عبدالسلام الجازي أثبت منذ ذلك الوقت قدرة ابن البادية على التكيف مع الظروف الجديدة، وإرادة قوية وإصرارًا على مواصلة التعليم وبناء مستقبله، ليبدأ بعدها رحلة حافلة بالعطاء في القوات المسلحة الأردنية.
وفي عام 1962، تخرج من الكلية الحربية الملكية، دورة الضباط الثالثة، سرية باب الواد، ليواصل خدمته العسكرية في عدد من وحدات القوات المسلحة، متنقلًا بين مواقع ومسؤوليات متعددة، حتى تقاعد برتبة عميد عام 1986.
ولم تتوقف مسيرته العسكرية عند ذلك، إذ توجه بعد تقاعده إلى مملكة البحرين، حيث عمل قائدًا لإحدى كتائب الحرس الملكي البحريني، مواصلًا مسيرة العطاء والخبرة التي اكتسبها خلال سنوات خدمته الطويلة.
وإذا جلست إلى العميد المتقاعد عبدالسلام الجازي، تجد نفسك أمام بحر من الثقافة والمعرفة والتجارب؛ حديثه لا يمل ولا يُمل، ولا سيما عندما يستعيد ذاكرته ويتحدث عن الأردن وأحوال الناس والحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
إنه شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ الأردن، عاش تفاصيلها عن قرب، واحتفظ في ذاكرته بالكثير من القصص والمواقف التي تختصر تاريخ أجيال من أبناء الوطن.
أطال الله في عمر أبو سامي، ومتعه بالصحة والعافية، وحفظه شاهدًا وراويًا لذاكرة وطنية غنية، ومسيرة حافلة بالعطاء والانتماء.
الصورة: أبو سامي يتحدث إلى جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، ويظهر إلى يمينه مدير الخدمات الطبية الملكية آنذاك داوود حنانيا، وفي الوسط اللواء قاسم الدويري، عام 1984.