تمرُّ الذكرى الأولى لرحيلك يا عمي راكان، وكأن الزمن توقف عند ذلك الخبر الذي هزَّ أركان قلوبنا، لكنه في الحقيقة يمضي بثقله، تاركًا في نفوسنا غصة لا تلتئم، وحكاية رجل لم يكن مجرد اسم عابر في سجل العائلة، بل كان ركنًا شامخًا من أركانها.
وُلدت وفي اسمك سرُّ هيبتك، فـ "راكان" هو الثابت، الرزين، الذي يلجأ إليه الناس إذا عصفت بهم الرياح. وهكذا كنت تمامًا، جبلاً يلوذ به أبناء الفايز، سندًا توارثناه جيلاً بعد جيل، وحكمةً تفيض من بحر الأصالة البدوية التي جُبلت عليها. لم تكن عمًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كنت أبًا ثانيًا، وموئلًا للصلح والرأي السديد، مرآةً نرى فيها شيم آبائنا وأجدادنا من سلالة الطنايا الغر الميامين.
في مجلسك، كانت الصحراء تنطق حكمة، وكان تاريخ العائلة يُروى على لسانك بأمانة. تعلمنا منك أن الرجولة ليست فقط في الشدة، بل في العدل، وفي الكلمة الطيبة التي تجمع القلوب قبل الرجال. واليوم، في غيابك، صار مجلسنا موحشًا، وصار للصمت وقعٌ أشد من الكلام، نفتقد فيه طلتك البهية، وصوتك الذي كان يملأ المكان سكينة ووقارًا.
يرحمك الله يا عمي الحبيب، ويغفر لك، ويسكنك فسيح جناته. لقد رحل الجسد، وبقيت السيرة العطرة نبراسًا يضيء لنا الطريق. سنظل نذكرك في كل مناسبة، وفي كل موقف يحتاج إلى حكمتك، وسنروي للأجيال القادمة قصة "راكان" الذي كان فخرًا للفايز، وتاج عز على رؤوسنا.
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. في ذكراك الأولى، لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء داعيًا: اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في مستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.