هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لحظات يصبح فيها الصمت أثقل من الخطاب، وتصبح جملة واحدة أبلغ من بيان طويل.
في مستشفى الأمير علي بن الحسين ومستشفى الكرك الحكومي في الكرك ، وبين وجع المصابين وصدمة وطن لم يستوعب بعد ما جرى في حمود، قال جلالة الملك عبدالله الثاني: << رح نفرجيهم >> .
لم تكن جملة عابرة.
كانت لحظة التقاء بين غضب قائد ووجع شعب.
فالملك في تلك اللحظة لم يكن يتحدث من خلف مكتب، ولا من منصة، ولا من لغة البيانات الرسمية، بل كان واقفاً أمام مصابين أردنيين، مرتدياً الزي العسكري، وقريباً من مشهد لا يمكن أن يترك في النفس إلا الغضب والألم.
ومن هنا جاءت قوة العبارة.
<< رح نفرجيهم >> لم تكن وعداً بالانتقام، بل وعداً بأن الدولة لن تتعامل مع الدم الأردني باعتباره حادثاً عابراً.
وهنا تحديداً يجب أن نفهم المشهد.
الإرهاب لا يريد قتل أشخاص فقط.
الإرهاب يريد قتل الشعور بالأمان.
يريد أن يجعل المواطن يشك بجاره، وأن يجعل الاختلاف الديني مصدراً للخوف، وأن يحول حادثة أمنية إلى شرخ اجتماعي، ثم ينتظر من المجتمع أن يكمل المهمة نيابة عنه.
لكنهم أخطأوا في قراءة الأردن
فمن حمود خرجت الرسالة المعاكسة تماماً.
لم يتحول الأردنيون إلى جماعات تبحث عن بعضها لتختلف، بل تحولوا إلى مجتمع واحد يبحث عن وطنه في لحظة الألم.
لم يسأل الأردني: من كان مسلماً ومن كان مسيحياً؟
سأل: من الذي استهدف الأردن؟ وهذا هو الفارق.
فالذي حدث في حمود لم يكن اعتداء على فئة أردنية بعينها، كان اعتداء على فكرة العيش الأردنية نفسها.
ولهذا فإن حماية المسيحي الأردني ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم، كما أن حماية المسلم ليست قضية تخص المسلمين وحدهم، إنها مسؤولية الدولة والمجتمع معاً.
ومن يحاول أن يضرب أحد مكونات المجتمع الأردني، فإنه في الحقيقة يضرب الأردن كله.
الملك قالها... والدولة ترجمتها
في السياسة، الكلمات وحدها لا تكفي.
القوة الحقيقية أن تتحول الكلمة إلى قرار.
وهذا ما ظهر في اليوم التالي، عندما ترأس جلالة الملك اجتماع مجلس الأمن القومي، وجرى بحث الهجوم وتداعياته، مع التأكيد على ملاحقة المتورطين ومحاسبة كل من أيد أو برر الجريمة، إلى جانب مراجعة الجاهزية الأمنية ومواجهة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه.
وهنا يمكن أن نفهم << رح نفرجيهم >> بمعناها الأعمق.
نفرجيهم دولةً لا تنفعل، بل تعمل.
دولة تعرف أن الرد على الإرهاب ليس بالصراخ، وإنما بالقانون والأمن والمعلومة والمحاسبة، وبإغلاق الطريق أمام الفكرة التي تنتج الإرهاب قبل أن تتحول إلى رصاصة جديدة.
فالرد الحقيقي ليس فقط أن تصل الدولة إلى من ارتكب الجريمة.
الرد الحقيقي أن تمنع الفكر الذي أنتج الجريمة من الوصول إلى شخص آخر.
وهذه معركة أطول وأصعب.
معركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام، وتنتهي عند دولة لا تسمح للكراهية بأن تتحول إلى مشروع.
ماذا حدث في نفسية الأردني؟
ربما أخطر ما يفعله الإرهاب أنه يحاول أن يسرق من الإنسان إحساسه الطبيعي بالحياة.
أن يجعله يفكر مرتين قبل أن يذهب إلى مناسبة، أو مكان عبادة، أو تجمع عائلي، لكن النفس الأردنية لديها قدرة غريبة على تحويل الخوف إلى تماسك.
قد يحزن الأردني، وقد يغضب، لكنه عندما يشعر أن الوطن كله مستهدف، فإنه يعود إلى غريزته الأولى:
نحن مع بعض.
وهذه ليست رومانسية وطنية.
هذه حقيقة اجتماعية صنعتها عقود من التداخل بين الأردنيين، حيث لا توجد مدينة أو قرية أو عائلة يمكنها أن تعيش خارج النسيج الوطني العام.
ولهذا فإن الرصاصة التي أراد أصحابها أن تصنع حاجزاً بين الأردنيين، صنعت شيئاً آخر:
أعادت تذكيرهم بأنهم لا يملكون ترف الانقسام.
الكرك... مرة أخرى
الكرك ليست مجرد جغرافيا في هذه الحكاية، بل تحمل ذاكرة ثقيلة من الألم والمواجهة، ولذلك فإن استهدافها مرة أخرى يوقظ في الوجدان الأردني صوراً لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
لكن الكرك في كل مرة تُختبر فيها، تقول شيئاً واحداً:
لن تكون بوابة للفتنة
هي محافظة فيها المسلم والمسيحي، وفيها العشيرة والمدينة والقرية، وفيها تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي الذي يجعل محاولة تقسيمها أكثر صعوبة من أن يتخيلها منفذ جريمة.
ولهذا فإن حمود لن تُقرأ فقط باعتبارها جريمة مؤلم، .بل يجب أن تُقرأ باعتبارها اختباراً جديداً لقدرة الأردن على حماية نسيجه الداخلي.
<< واليوم فرجيناهم >>
ربما أجمل ما في العبارة أنها لم تعد مجرد وعد.
لقد أصبح لها معنى بعد أن تحركت الدولة.
فرجيناهم أن الأردن لا يُدار بالخوف.
فرجيناهم أن هيبة الدولة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في قدرتها على الوصول إلى الحقيقة.
فرجيناهم أن القانون لا يفرق بين من يستهدف مسجداً أو كنيسة، لأن كليهما في الأردن جزء من وطن واحد.
فرجيناهم أن دم الأردني غالٍ، وأن أمنه ليس مجالاً للمساومة.
وفرجيناهم أيضاً أن الأردن لا يحتاج إلى أن يتخلى عن إنسانيته كي يكون قوياً.
بل إن قوته الحقيقية أن يكون حازماً في وجه الإرهاب، وعادلاً في وجه الجريمة، ومتسامحاً بين أبنائه.
وهنا تصبح عبارة الملك القائد أكثر من عبارة
تصبح عقداً نفسياً وسياسياً بين الدولة والمواطن:
الدولة تقول للمواطن: لن نتركك وحدك
والمواطن يقول للدولة: لن نسمح لأحد أن يفرقنا
وهذا هو الانتصار الحقيقي.
ليس أن نخيف من أراد إخافتنا.
بل أن نجعله يفشل في تحقيق غايته.
رح نفرجيهم... واليوم فرجيناهم.
فرجيناهم أن الأردن يمكن أن يُوجع، لكنه لا ينكسر.
ويمكن أن يغضب، لكنه لا يُفتن.
ويمكن أن يبكي شهداءه، لكنه لا يسمح للدم أن يتحول إلى كراهية.