من أغرب ما يشهده واقعنا المعاصر هو بروز فئات من الناس نصّبوا أنفسهم قضاةً على ضمائر العباد يصدرون الأحكام جزافاً فيوزعون صكوك الغفران ويدخلون هذا الجنة ويقذفون بذاك في النار ويصمون الآخرين بالكفر والفسوق إن هؤلاء المندفعين لتكفير الناس والحكم على مصائرهم الأخروية يقعون دون أن يشعروا في شَرَك ادعاء الربوبية والألوهية متناسين أن الحساب والتقييم حصريان لخالق الكون وحده وأن الميزان الإلهي لا يقوم على الأشكال والظواهر بل على ما تنطوي عليه السرائر.
إن التجرؤ على تصنيف الناس وتحديد مصائرهم في الآخرة هو نوع من منازعة الله في خصائص ربوبيته وهذا المسلك يذكرنا بالطغيان الفرعوني الذي خلّده القرآن الكريم ليكون عبرة للمعتبرين حيث قال فرعون كما ورد في سورة النازعات: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ} فبيّن الله جل وعلا أن عاقبة من يرفع نفسه إلى مقام الربوبية أو يتأله على الخلق هي الأخذ الشديد والعقاب المخزي في الدنيا والآخرة.
ولم يقف التحذير عند الآيات القرآنية بل رسخته السنة النبوية الشريفة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ حدّث فقال: «أنَّ رَجُلًا قالَ: واللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ، وإنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» ألا يهز هذا الحديث الوجدان ويُثبت أن تصنيف الناس والحجر على رحمة الله ومغفرته يُحبط العمل الصالح ويهوي بصاحبه في الخسران لأن القلوب وحقائقها لا يعلمها إلا الله الذي ينظر إلى قلوب عباده لا إلى أشكالهم وصورهم.
فما بال هؤلاء المتطرفين الغلاة بسلوكياتهم الإقصائية وأفكارهم المظلمة ونواياهم المشحونة بالكراهية؟؟؟!!!!!
إن تصرفاتهم تنسف جوهر الرسالة المحمدية وتتناقض تماماً مع قواعد الرحمة والإنسانية التي وضعها النبي ﷺ حتى في أشد الظروف وأقساها وهي حالة الحرب.
لقد كان النبي ﷺ يوصي قادة الجيوش والسرايا الذي كانت ذاهبة للحرب وليس للأبرياء الامنين بقواعد أخلاقية صارمة تشمل عدم التخريب وحماية العُزّل ومن أبرز ما ورد في السُّنّة:
٠٢ حماية الأطفال والنساء والشيوخ: "لا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلا امْرَأَةً وَلا كَبِيرًا فَانِيًا".
٠٣ عدم هدم الصوامع: ألا يُتعرّض للعبّاد في صوامعهم أو تُهدم كنائسهم وأماكن عبادتهم.
فإذا كانت هذه سماحة الإسلام ورحمته مع الأعداء المحاربين في ساحات القتال فكيف يبيح هؤلاء المتطرفون لأنفسهم استباحة دماء وأعراض ومصائر المستأمنين والعيش المشترك في الأوطان؟؟؟!!!
إن احترام الأديان وحرية المعتقد هي أصل أصيل عبر التاريخ والحاضر قال تعالى "وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ" الأنعام: 108 وقال تعالى موجها المسلمين لكيفة التعامل مع الكافرين : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} اذا كان هذا التوجيه الرباني مع الكافرين المنكرين لوجود الله جل في علاه فما بال التعامل مع الإخوة المسيحيين الذي جسد لنا طبيعة العلاقة معهم بسورة المائدة فقال تعالى: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وهناك شواهد كثر تؤكد أن التقييم والجزاء بيد الله وحده ولعل في قصص التضحية والفداء ما يثبت عمق الروابط الإنسانية والوطنية وحين نستذكر رمزية الشهادة والوفاء للأوطان نجد صوراً رائعة من التلاحم تتجاوز الحواجز الطائفية الضيقة لتؤكد أن الإخلاص للوطن وحماية أهله قيمة عليا يتقاسمها الجميع.
وهذا التلاحم والوعي الوطني القويم هو ما دعى ويدعو إليه دوماً القامات الفكرية والتربوية الأصيلة ومنهم الأستاذ الفاضل حسني البواب حفظه الله ـــ إربد الحصن ــــ صاحب الفيديو المتداول حاليا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ــــ رابط الفيديو https://www.facebook.com/share/v/19mYU9i9yr/ـــــ الذي يجسد صوتاً للحكمة والوعي والتربية على قيم التسامح وقبول الآخر مؤكداً مع ثلة من العقلاء أن الدين المعاملة وأن التدين الحقيقي ينعكس سلاماً ورحمةً واحتراماً لكرامة الإنسان تاركين الخلق للخالق والقلوب لعلام الغيوب حفظ الله أردن العزة والفخار وشعبنا الطيب المتلاحم المترابط وملكنا المفدى.