لم تكن الجريمة الغادرة التي استهدفت المصلين والمعزين في كنيسة القديس جاورجيوس ببلدة حمود بمحافظة الكرك مجرد اعتداء على دور عبادة أو مدنيين عُزّل، بل كانت محاولة بائسة لضرب أقدس ما يملكه الأردنيون: أمنهم، وتماسكهم، وعيشهم المشترك الذي أُرسيت دعائمه عبر عقود طويلة من التآخي والتضامن.
إن ما شهدته الكرك الأبية في ذلك اليوم الحزين يعصر القلوب ألمًا، لكنه في الوقت ذاته يعيد التذكير بحقيقة راسخة؛ وهي أن هذا الوطن طالما كان سدًا منيعًا أمام كل محاولات الفتنة والتطرف. فالرصاص الذي أُطلق في باحة الكنيسة لم يفرق بين أردني وآخر، بل استهدف قيمة المواطنة والتآخي التي تميز المجتمع الأردني بمختلف أطيافه.
إن الكرك، بتاريخها الضارب في عمق النضال الوطني ورجالاتها الذين قدموا أرواحهم فداءً للأرض والإنسان، تأبى إلا أن تكون كما كانت دومًا: عنوانًا للصمود والوعي. وما أظهره الأردنيون عقب هذا الحادث الجلل من مشاعر التضامن والوقوف صفًا واحدًا كشف مجددًا عن وعي شعب يدرك حجم الاستهداف، ويرفض بكل حزم كل فكر ظلامي يسعى لزعزعة استقراره.
إن العزاء اليوم ليس لأسر الشهداء وحدهم، بل هو عزاء لكل بيت أردني، فالدم الذي سال على أرض الكرك هو دم يخص الوطن بأكمله. ومواجهة هذه الممارسات الإرهابية لا تكون فقط بالإجراءات الأمنية والملاحقة الحاسمة للقتلة، بل ترتكز أساسًا على ترسيخ جبهتنا الداخلية، والالتفاف حول مؤسساتنا الوطنية، ومواجهة كل أشكال التحريض بوعي ومسؤولية.
رحم الله شهدائنا الأبرار وشافى المصابين، وسيبقى الأردن، بحكمة قيادته، وعزيمة أبنائه، وحرص كافة مكوناته، عصيًا على كل من يحاول المساس بأمنه وسالم أهله.