الشيف
فريال محمود الكوفحي : من مطبخ حور إلى ذاكرة الأردن.. حكاية امرأة
جعلت من الأكلات التراثية رسالة وهوية وفرصة للعمل
إربد
– نيروز الإخبارية – محمد محسن عبيدات
في قرية
حور بمحافظة إربد، حيث تختزن الذاكرة الشعبية حكايات الأمهات والجدات، وتفوح من البيوت
القديمة رائحة خبز القمح وزيت الزيتون، كتبت الشيف فريال محمود الكوفحي حكاية نجاح
أردنية استثنائية، انطلقت من مطبخ منزلي بسيط عام 1993، لتتحول مع مرور السنوات إلى
تجربة في صون التراث الغذائي الأردني وتمكين المرأة اقتصاديا، وإعادة تقديم الأكلات
الشعبية للأجيال الجديدة.
لم تكن
تجربة الكوفحي مجرد مشروع لإعداد الطعام، بل رحلة من الشغف والإصرار والعمل، حافظت
خلالها على نكهات ارتبطت بالبيئة الأردنية وذاكرة المجتمع، وقدمتها بصورة جعلت المطبخ
التراثي وجهة للباحثين عن أصالة المذاق وعبق الماضي. وقد حظيت تجربتها باهتمام إعلامي
واسع، كما زارت جلالة الملكة رانيا العبدالله مطبخها الإنتاجي في قرية حور يوم 30 آب
2023، للاطلاع على المشروع والالتقاء بالسيدات العاملات فيه.
وفي مقابلة
خاصة لـ«نيروز الإخبارية»، نسلط الضوء على مسيرة الشيف فريال الكوفحي، وبداياتها، وأسرار
تمسكها بالمأكولات الشعبية، ودور المرأة الأردنية في حماية الموروث الغذائي وتحويله
إلى مشروع إنتاجي يفتح آفاقا جديدة أمام الأسر والمجتمعات المحلية.
نيروز الإخبارية: كيف بدأت حكايتك مع الأكلات الشعبية والتراثية الأردنية؟
بدأت حكاية
الشيف فريال الكوفحي، المعروفة باسم أم محمد، من منزل أسرتها في قرية حور عام 1993،
حين قررت تحويل شغفها بالأكلات الشعبية إلى عمل إنتاجي يساعدها على تلبية احتياجات
أسرتها وتعليم أبنائها الجامعي. ومع مرور الوقت، أخذت التجربة تتطور، مستندة إلى خبرتها
في إعداد الطعام التراثي، وإيمانها بأن هذه الأكلات ليست مجرد وجبات، بل جزء من ذاكرة
المجتمع الأردني وهويته.
كانت البداية
متواضعة، لكنها حملت طموحا كبيرا، في وقت كانت فيه بعض العادات الاجتماعية تشكل تحديا
أمام عمل المرأة في المجتمعات الريفية. ومع إصرارها ومساندة أسرتها، واصلت الكوفحي
طريقها حتى أصبح مشروعها معروفا على نطاق واسع.
نيروز الإخبارية: ما الذي يميز المطبخ التراثي الأردني عن غيره؟
يتميز
المطبخ الأردني بارتباطه الوثيق بالأرض ومواسمها، واعتماده على مكونات محلية ارتبطت
بحياة الناس عبر الأجيال، وفي مقدمتها القمح وزيت الزيتون والدجاج والأعشاب والمنتجات
الزراعية. كما أن كثيرا من وصفاته يحمل خصوصية المناطق الأردنية، ويعكس طبيعة الحياة
الاجتماعية وأساليب الضيافة والتكافل بين الناس.
ومن أبرز
الأطباق التي تحضر في تجربة الكوفحي المكمورة، والكشك، واللزاقيات، والمطابق بأنواعها،
والكباب، إلى جانب أصناف أخرى من المأكولات الشعبية والحلويات وخبز العيد. وتبقى المكمورة
من الأطباق التي تحظى بمكانة خاصة، لما تتطلبه من خبرة في إعداد العجين وتنسيق مكوناتها
وطهيها بالطريقة التقليدية.
نيروز الإخبارية: المكمورة من أشهر الأكلات التي ارتبطت باسمك، فما
سر مكانتها؟
المكمورة
أكلة أردنية تراثية تحمل في تفاصيلها حكاية الأرض والبيت والعائلة. وهي تعتمد بصورة
أساسية على عجين القمح والدجاج وزيت الزيتون والتوابل، وتحتاج إلى عناية في إعداد طبقاتها
وتسويتها حتى تصل إلى مذاقها المعروف.
وتتجاوز
أهمية المكمورة كونها طبقا شعبيا؛ فهي جزء من ذاكرة البيوت الأردنية، وترتبط بالمناسبات
والاجتماعات العائلية، كما أنها مثال على قدرة المطبخ التقليدي على الاستمرار عندما
يجد من يحافظ على وصفاته ويقدمها للأجيال الجديدة.
نيروز الإخبارية: كيف استطعت الانتقال من مطبخ منزلي إلى مشروع إنتاجي
معروف؟
احتاجت
التجربة إلى سنوات من العمل والتطوير، وإلى ثقة الزبائن وجودة المنتجات والالتزام بالمذاق
التراثي. وفي عام 2015، اتجهت الكوفحي إلى توسيع مشروعها وتطوير إمكاناته، مستفيدة
من فرص الدعم المتاحة للمشاريع المحلية المنتجة.
ومع انتشار
اسم المشروع، أصبح يستقطب زبائن من مناطق مختلفة، كما استقبل زوارا وأفواجا سياحية
مهتمة بالتعرف إلى المطبخ الأردني التقليدي. ولم تقتصر التجربة على إعداد الطعام، بل
قدمت نموذجا لكيفية تحويل المهارات المنزلية إلى عمل إنتاجي يسهم في توفير الدخل وخلق
فرص عمل.
نيروز
الإخبارية: ما دور الأسرة في مسيرتك؟
كان دعم
الأسرة عنصرا مهما في استمرار المشروع وتطوره. فالمشاريع التي تنطلق من البيوت تحتاج
إلى الصبر والثقة والمساندة، خصوصا في مراحلها الأولى، حين تكون الإمكانات محدودة والتحديات
الاجتماعية والاقتصادية حاضرة.
وقد ارتبط
نجاح الكوفحي بهدف واضح، يتمثل في توفير حياة أفضل لأبنائها، وإتاحة الفرصة لهم لمواصلة
تعليمهم الجامعي، وهو ما يجعل تجربتها نموذجا لارتباط العمل والإنتاج بطموحات الأسرة
ومستقبلها.
نيروز الإخبارية: كيف تنظرين إلى دور المرأة الريفية في الاقتصاد المحلي؟
تقدم تجربة
الكوفحي صورة عن الإمكانات التي تمتلكها المرأة في المجتمعات المحلية، عندما تتاح لها
فرصة تطوير مهاراتها وتحويلها إلى مشروع منتج. فالمرأة الريفية تمتلك معرفة متراكمة
في إعداد الطعام وحفظ المنتجات الزراعية والتعامل مع المواسم، ويمكن لهذه الخبرات أن
تتحول إلى مصادر دخل وفرص عمل إذا اقترنت بالتدريب والتسويق والتطوير.
ومن أبرز
جوانب التجربة تدريب النساء ومساعدتهن على اكتساب مهارات إعداد المأكولات التراثية
وتسويقها، بما يتيح لبعضهن التوجه إلى مشروعاتهن الخاصة. وقد أشارت تقارير إعلامية
منشورة في تموز 2026 إلى أن المشروع أسهم في تدريب أكثر من ألف سيدة من مختلف محافظات
المملكة، وهو ما يعكس امتداد أثر التجربة إلى ما هو أبعد من المطبخ نفسه.
نيروز الإخبارية: ماذا تعني لك زيارة جلالة الملكة رانيا العبدالله
إلى مطبخك في حور؟
شكلت زيارة
جلالة الملكة رانيا العبدالله في 30 آب 2023 محطة مهمة في مسيرة المشروع، إذ اطلعت
جلالتها على تجربة المطبخ الإنتاجي والتقت بعدد من السيدات العاملات فيه، واستمعت إلى
تجاربهن وأثر العمل في حياتهن وأسرهن.
وتأتي
أهمية هذه الزيارة في سياق الاهتمام بالمشاريع المحلية التي تجمع بين الإنتاج والحفاظ
على التراث وتمكين المرأة اقتصاديا، كما سلطت الضوء على قدرة المبادرات التي تنطلق
من القرى الأردنية على تقديم تجارب ناجحة تستحق الدعم والتطوير.
نيروز الإخبارية: هل يمكن للأكلات التراثية أن تصبح جزءا من السياحة
الثقافية في الأردن؟
يمتلك
المطبخ الأردني مقومات مهمة ليكون جزءا من التجربة السياحية، فالسائح لا يبحث عن الطعام
وحده، بل يرغب أيضا في التعرف إلى قصصه ومكوناته وطرق إعداده وعلاقته بحياة الناس.
ومن هنا،
يمكن للمطابخ التراثية والمشاريع الإنتاجية المحلية أن تسهم في تعريف الزوار بالموروث
الأردني، ولا سيما عندما تقدم تجربة متكاملة تشمل التعرف إلى الأطباق التقليدية وطرق
إعدادها والمنتجات المحلية والبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها.
وتجربة
الكوفحي في قرية حور مثال على هذا التداخل بين الطعام والتراث والسياحة، إذ استقبل
مشروعها زوارا من داخل الأردن وخارجه، وساعد في تقديم صورة عن غنى المطبخ الشمالي الأردني
وتنوعه.
نيروز الإخبارية: ما أبرز التحديات التي تواجه الحفاظ على الأكلات الشعبية؟
من أبرز
التحديات تغير أنماط الحياة وتسارعها، وتراجع معرفة بعض الأجيال بطرق إعداد الأطباق
القديمة، فضلا عن صعوبة تحويل الوصفات التقليدية إلى منتجات قابلة للاستمرار والتسويق
دون فقدان أصالتها.
ويحتاج
الحفاظ على هذا الموروث إلى توثيق الوصفات، ونقل الخبرات من الأمهات والجدات إلى الشباب،
وتشجيع المشاريع المنزلية والإنتاجية، وإيجاد فرص للتعريف بالأكلات الشعبية في المعارض
والمهرجانات والأنشطة السياحية والثقافية.
كما أن
دعم المنتجات المحلية وتقدير العمل الذي تقف خلفه النساء يساعدان على استمرار هذه المهنة
وتحويلها إلى فرصة اقتصادية وثقافية في آن واحد.
نيروز الإخبارية: ما الرسالة التي توجهينها إلى الجيل الجديد؟
إن التراث
ليس شيئا من الماضي نكتفي بالحديث عنه، بل مسؤولية نحملها للمستقبل. والأكلات التي
ورثناها عن أمهاتنا وجداتنا تستحق أن نتعلمها ونحافظ عليها ونقدمها للأجيال القادمة،
لأنها تحمل جزءا من هويتنا وذاكرتنا الوطنية.
كما أن
النجاح يحتاج إلى الصبر والإصرار والعمل المتواصل، وأن الفكرة البسيطة يمكن أن تكبر
وتحقق أثرا واسعا عندما تجد من يؤمن بها ويطورها. وتجربة المطبخ التراثي تثبت أن المهارات
التي نمتلكها في بيوتنا يمكن أن تتحول إلى مشروعات منتجة تفتح أبواب الأمل والعمل.
نيروز الإخبارية: كيف ترين مستقبل المطبخ التراثي الأردني؟
يمتلك
المطبخ التراثي الأردني فرصة حقيقية للاستمرار والتوسع، شرط المحافظة على أصالة الوصفات،
وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق، والاستفادة من وسائل التواصل الحديثة في الوصول إلى
جمهور أوسع.
كما أن
التعاون بين الجهات الثقافية والسياحية والاقتصادية والمشاريع المحلية يمكن أن يسهم
في إبراز الأكلات التراثية بوصفها جزءا من الهوية الوطنية، ومصدرا لفرص العمل، وعنصرا
داعما للسياحة الداخلية والريفية.
وتبقى
المحافظة على هذا الموروث مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى المؤسسات
والمهرجانات ووسائل الإعلام، التي تستطيع أن تمنح قصص النجاح المحلية المساحة التي
تستحقها.
المطبخ التراثي.. حكاية وطن لا تنتهي
تؤكد تجربة
الشيف فريال محمود الكوفحي أن قصص النجاح لا تبدأ دائما من المؤسسات الكبيرة، بل قد
تنطلق من مطبخ منزلي في قرية أردنية، تحمل صاحبته شغفا بتراثها وإصرارا على تحسين حياة
أسرتها ومجتمعها.
ومن حور
في محافظة إربد، تبرز حكاية تجمع بين المكمورة ورائحة زيت الزيتون وذاكرة الأمهات،
وبين العمل والإنتاج وتمكين المرأة. إنها حكاية تؤكد أن التراث حين يجد من يصونه ويطوره
لا يبقى أسير الماضي، بل يتحول إلى قيمة حية تسهم في بناء المستقبل، وتحفظ للأجيال
القادمة نكهة المكان وأصالته.