بقلم: اللواء الركن المتقاعد الدكتور محمد خليل بني يونس
لم يكن ما جرى في الكرك اليوم حادثًا عابرًا يُقاس بعدد الرصاصات، بل عدواناً سافراً على أقدس ما يملكه المجتمع: حرمة الموت ورباط الأخوة. فعندما يترجل مسلحان لإطلاق النار وسط تشييع جنازة مهيبة من كنيسة حمود، لتسقط دماء الأبرياء بين قتيل وجريح، فإننا أمام يدٍ خلت تماماً من كل دين، وخلق، ومروءة.
ومهما كانت هوية الجناة أو دوافعهم التي سكتت عنها التحقيقات الأولية، فإن الغاية من فعلتهم واضحة كضوء الشمس: ضرب الأردن في أثمن ما يملك؛ وحدة نسيجه الوطني. أرادوا أن يُصبح الدم بابًا للفتنة، وأن يقف المسلم في وجه المسيحي، وأن يتحول الحزن المكتوم إلى شك، والغضب إلى انقسام. ونقولها لهم بصوت واحد: خاب مسعاكم وماتت خطتكم قبل أن تولد.
فالأردن لم تبنه طائفة، ولم تحتكره فئة. هذا الوطن صنعته دماء أبنائه جميعاً، بمختلف أديانهم وأصولهم ومنابذهم. مسيحيو الكرك ليسوا طارئين، بل هم أهلٌ، وعشيرة، وأبناء أرض، وجراحهم هي جراح كل أردني على هذه البقعة الطاهرة. ومن ظنّ أن رصاصة غدر تستطيع أن تفصم عرى هذا التاريخ المشترك، فهو جاهلٌ بهذا البلد، قاصرٌ عن فهم معدن أهله.
وحين تكون الفتنة هي الهدف، فإن وقودها الأول هو الشائعة.
من هنا، فإن أسمى واجباتنا الوطنية اليوم هي إغلاق الباب في وجه العبث:
لا نتداول روايات مشبوهة أو غير موثقة.
لا نوزّع اتهامات مجانية تخدم العدو قبل الصديق.
نلتزم بما صدر عن الناطق الرسمي باسم الحكومة، ونستقي المعلومة من مصدرها الرسمي، مانحين الأجهزة الأمنية المساحة الكاملة لتأدية واجبها باحتراف.
أما الجناة ومن ورائهم، فلا مكان لهم بيننا ولا عذر يعصمهم من القصاص. إن الأجهزة الأمنية، التي تخوض اليوم معركة الحقيقة وتلاحق فلولهم، مطالَبةٌ – ونحن على مطلق الثقة بكفاءتها وعزمها – بأن تضعهم خلف القضبان وأمام العدالة سريعًا. فالعقاب الصارم والعدالة الناجزة هما الرد الأبلغ والأطهر على كل قطرة دمٍ سفكت ظلماً على ثرى الكرك الأبيّة.