قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، صدق الله العظيم
ببالغ الحزن والأسى، وبمشاعر الغضب والاستنكار، إدانتهم الشديدة واستنكارهم المطلق للجريمة الإرهابية الغادرة التي استهدفت كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأسفرت عن سقوط شهداء وإصابة عدد من المواطنين الأبرياء، في اعتداء آثم طال حرمة دار من دور العبادة، واستهدف أرواحاً آمنة في مشهد يتنافى مع أبسط القيم الدينية والإنسانية والأخلاقية.
إن هذه الجريمة النكراء تمثل فعلاً مداناً بكل المقاييس، واعتداءً صارخاً على حرمة الإنسان وحقه في الحياة والأمان، ومساساً بحرمة المقدسات الدينية التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن العنف والإرهاب والكراهية. وإن استهداف المصلين والآمنين في محيط كنيسة، وهم يؤدون شعائرهم الدينية ويشيّعون فقيداً لهم، يكشف عن تجرد مرتكبي هذا الفعل من القيم التي تصون حياة الإنسان وتحفظ كرامته، ويضع هذه الجريمة في مواجهة مباشرة مع المبادئ التي قامت عليها المجتمعات المتحضرة، وتوافقت عليها الشرائع السماوية.
وإذ نرفع أصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى أسر الشهداء وذويهم، وإلى أبناء الطائفة المسيحية الكريمة، وإلى أهلنا في محافظة الكرك، فإننا نسأل الله تعالى أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ الأردن وأهله من كل سوء ومكروه.
إن استهداف الكنيسة جريمة لا تستهدف مكاناً للعبادة فحسب، بل تمس جوهر الحياة الوطنية الأردنية، وتعتدي على قيم الأخوة والتآخي والعيش المشترك التي شكّلت عبر التاريخ إحدى أبرز سمات المجتمع الأردني.
إن عشائر أبووندي، وهي تعبّر عن موقفها الوطني والأخلاقي، تؤكد أن الاعتداء على الكنائس والمقدسات الدينية أمر مرفوض رفضاً قاطعاً، وأن قتل الأبرياء وترويع الآمنين لا يمكن أن يجد له أي مسوغ ديني أو أخلاقي أو إنساني.
فالأديان السماوية جاءت لصون النفس البشرية وإعلاء قيمة الإنسان، لا لاستباحة دمه أو بث الخوف في قلبه، ولا لتحويل دور العبادة إلى أماكن يتهددها العنف. ومن ثم، فإن الاعتداء على الكنيسة، كما الاعتداء على المسجد أو أي مكان مخصص للعبادة، يمثل خروجاً على القيم الدينية والإنسانية، وفعلاً يستحق الإدانة الصريحة التي لا تحتمل التأويل أو التبرير.
وإننا نرفض كل فكر متطرف يستبيح الدماء، وكل سلوك إجرامي يسعى إلى فرض الكراهية أو بث الرعب بين المواطنين، ونؤكد أن العنف لا يصنع مجداً، وأن الإرهاب لا ينتج إلا الألم والخراب، وأن دماء الأبرياء ستظل شاهداً على فداحة الجريمة وبشاعتها.
ولا يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره حادثاً يمس فئة بعينها دون سواها؛ فالاعتداء على أبناء الوطن، أياً كانت ديانتهم، هو اعتداء يمس كرامة الأردنيين جميعاً. إن حرمة الإنسان لا تتجزأ، وحقه في الحياة والأمان ليس مرتبطاً بانتمائه الديني أو الاجتماعي، بل هو حق أصيل تصونه القيم الإنسانية ويؤكد عليه القانون.
لقد قامت الدولة الأردنية على تاريخ طويل من الشراكة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، الذين عاشوا على هذه الأرض شركاء في بنائها، وأسهموا في نهضتها، وتحملوا معاً مسؤولياتها وتحدياتها، وكانوا على الدوام جزءاً أصيلاً من هويتها الوطنية وتاريخها الاجتماعي.
ولم تكن الأخوة الأردنية يوماً علاقة عابرة تحكمها الظروف، بل هي رابطة وطنية راسخة، صاغتها سنوات طويلة من التعايش والتعاون والاحترام المتبادل، وأثبتت أن اختلاف المعتقد لا ينتقص من وحدة الانتماء، وأن تنوع المجتمع لا يمثل مصدر ضعف، بل يعكس عمق التجربة الأردنية وأصالتها.
ومن هذا المنطلق، فإن مصاب أهلنا في قرية حمود هو مصاب كل بيت أردني، وألم أسر الشهداء هو ألم كل أردني يعي قيمة الإنسان وحرمة الدم وواجب التضامن في المحن.
وإننا نعبّر عن تضامننا الكامل مع إخوتنا وأهلنا من أبناء الطائفة المسيحية، ونؤكد أن ما يجمعنا بهم من روابط الأخوة والجيرة والمواطنة والتاريخ المشترك أعمق من أن تنال منه جريمة إرهابية أو أن تضعفه أفعال إجرامية تستهدف أمن المجتمع واستقراره.
إن المسيحيين الأردنيين ليسوا ضيوفاً على وطنهم، ولا جماعة منفصلة عن نسيجه الوطني، بل هم جزء أصيل من الأردن، أرضاً وتاريخاً وهويةً ومستقبلاً. كما أن حماية كرامتهم وحقهم في العبادة والأمان تنبع من احترام المواطنة والحقوق الإنسانية، ومن الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الأردني.
إن الأردن، بما يمتلكه من تماسك اجتماعي ووعي وطني وتاريخ من الاعتدال، أثبت عبر مسيرته أن وحدته الوطنية ليست شعاراً موسمياً، وإنما حقيقة راسخة تتجلى في المواقف الصعبة، حين يقف الأردنيون صفاً واحداً في مواجهة كل ما يستهدف أمنهم أو يحاول المساس بروابطهم الوطنية.
وإن مثل هذه الجرائم، على فداحتها وخطورتها، لا تغيّر حقيقة المجتمع الأردني، ولا تختزل تاريخه في فعل إجرامي، ولا تنال من أصالة العلاقة التي تجمع أبناءه. فالإرهاب لا يمثل ديناً، والتطرف لا يمثل شعباً، والجريمة لا تعبّر عن القيم التي تربى عليها الأردنيون.
إن قوة المجتمع لا تقاس بغياب المحن عنه، وإنما بقدرته على الحفاظ على وحدته ومبادئه في مواجهتها. ومن واجبنا جميعاً أن تبقى مواقفنا على مستوى المسؤولية الوطنية، وأن نواجه الجريمة بالإدانة الواضحة، وأن نتمسك بالأخوة الوطنية، وألا نسمح للكراهية بأن تتحول إلى خطاب أو سلوك يهدد علاقات الأردنيين بعضهم ببعض.
وإننا نؤكد أن التلاحم بين أبناء الوطن الواحد، والاحترام المتبادل بين مختلف مكوناته، والالتفاف حول الثوابت الوطنية، تمثل عناصر قوة لا يجوز التفريط بها، مهما كانت طبيعة التحديات أو جسامة الأحداث.
ونؤكد اعتزازنا بالدولة الأردنية ومؤسساتها الدستورية والأمنية، وثقتها بقدرة مؤسسات الوطن على الاضطلاع بمسؤولياتها في إطار الدستور والقانون، وصون أمن المملكة واستقرارها وحماية مواطنيها.
إن العشائر الأردنية، بما تحمله من إرث اجتماعي وقيمي عريق، كانت على الدوام جزءاً من منظومة الاستقرار الوطني، وأسهمت في ترسيخ قيم الشهامة والكرامة وحماية الجار ونصرة المظلوم واحترام الإنسان.
ونؤكد أن هذه القيم لا تعرف التمييز بين أبناء الوطن بسبب الدين أو المعتقد، ولا تقبل الاعتداء على الآمنين أو ترويعهم، وأن واجب الأخوة يقتضي الوقوف إلى جانب أهل المصاب ومواساتهم، والتعبير عن رفض كل ما يتنافى مع الكرامة الإنسانية.
وفي هذا المقام، نجدد اعتزازنا بالقيادة الهاشمية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، وولاءنا للأردن وطناً وقيادةً وشعباً، وإيماننا بأن وحدة الصف الوطني والالتفاف حول الثوابت الأردنية يمثلان ركيزة أساسية في صون أمن المملكة واستقرارها.
لقد ارتبط النهج الهاشمي تاريخياً بقيم الاعتدال والتسامح والتعايش، وباحترام الأديان والمقدسات، وبترسيخ صورة الأردن وطناً يحفظ كرامة الإنسان ويصون حقوق مواطنيه. وإن تمسك الأردنيين بهذه القيم، في أوقات الشدة كما في أوقات الرخاء، يعكس أصالة انتمائهم وعمق ارتباطهم بوطنهم وقيادتهم.
ونعلن ادانتنا الشديدة واستنكارنا المطلق للجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وتؤكد رفضها القاطع لاستهداف دور العبادة أو الاعتداء على أرواح الأبرياء وترويع المواطنين.
كما تتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى أسر الشهداء وذويهم، وإلى أبناء الطائفة المسيحية الكريمة، وإلى أهلنا في الكرك، سائلين الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ الأردن وأهله من كل مكروه.
إننا نؤكد أن موقفنا ثابت في احترام الدولة ومؤسساتها، والالتزام بأحكام القانون، والتمسك بوحدة الأردنيين، وصون قيم الأخوة الوطنية والتعايش الديني، ورفض كل فكر أو سلوك يستبيح الدماء أو يهدد أمن المجتمع.
إن حرمة الكنيسة من حرمة المقدسات، ودماء الأبرياء ليست موضع خلاف، ووحدة الأردنيين ليست مجالاً للمساومة. وسيبقى الأردن وطناً يجمع أبناءه، وتصون قيادته ومؤسساته أمنه واستقراره، وتبقى الأخوة الوطنية فيه أقوى من الإرهاب والكراهية.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، ورحم الشهداء، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية.