ليس حبّ الأردن كلماتٍ تُقال في المناسبات، ولا شعاراتٍ تُرفع حين تهتف الحناجر؛ حبّ الأردن انتماءٌ يسكن الروح، ووفاءٌ لترابٍ احتضن الآباء والأجداد، وكرامةٌ نحملها في ضمائرنا، ورايةٌ نلتف حولها مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات.
وحين امتدت يد الإرهاب إلى كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك، لم تكن الجريمة اعتداءً على مكانٍ للعبادة فحسب، بل كانت اعتداءً على الأردن كله؛ على أمنه، وعلى طمأنينة أهله، وعلى تاريخٍ طويل من التآخي الذي جمع أبناء هذا الوطن على المحبة والجيرة والعيش المشترك.
لكن ما أرادته يد الغدر لم يكن ما صنعه الأردنيون. فقد واجهوا الجريمة بموقفٍ وطنيٍّ يؤكد أن الأردن ليس أرضًا يسهل تمزيقها، ولا مجتمعًا تستطيع رصاصات الإرهاب أن تزرع بين أبنائه الكراهية. لقد أثبتت هذه المحنة أن ما يجمع الأردنيين أعمق من كل محاولات التفريق، وأن حب الوطن أقوى من الخوف، وأن الانتماء الحقيقي يظهر حين تُختبر القلوب والمواقف.
في الأردن، لا يُقاس الوطن بحدود الجغرافيا وحدها، بل بحدود المحبة التي تتسع لكل أبنائه.
هذا هو الأردن الذي نحبّه؛ وطن المسلم والمسيحي، وطن العشيرة والمدينة والقرية، وطن العامل والفلاح والجندي والمعلم، وطنٌ تتعدد فيه المعتقدات والعائلات، لكن يجمع أبناءه انتماءٌ واحد ومصيرٌ واحد. فالمسيحي الأردني ليس غريبًا عن أرضه، والمسلم الأردني ليس منفصلًا عن وجع أخيه؛ كلاهما ابن وطنٍ واحد، وشريكٌ في حاضره ومستقبله، وله في تاريخه نصيبٌ أصيل.
ومن الكرك، أرض العزّ والكرامة، تخرج رسالةٌ واضحة إلى كل من يظن أن الإرهاب قادر على النيل من وحدتنا: إن أصالة الأردنيين لا تظهر في أوقات الرخاء وحدها، بل تتجلى حين يقف الجار إلى جانب جاره، وحين يواسي الأردني أخاه، وحين تتحول المصيبة من وجعٍ خاص إلى موقفٍ وطنيٍّ جامع.
لقد حاول الإرهاب أن يزرع الخوف في قلوب الآمنين، وأن يفتح بابًا للفرقة بين أبناء الوطن، لكن مواجهة هذه الجريمة تكون بالتمسك أكثر بالأردن، وبقيمه الأصيلة، وبحق كل إنسان في الحياة والعبادة والأمان. وتكون أيضًا بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وبالوقوف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، ورفض كل خطابٍ يحاول تحويل الدم إلى فتنة.
فحبّ الوطن ليس أن نحزن على الجريمة فقط، بل أن نحمي مجتمعنا من نتائجها، وألا نسمح للشائعات أو الكراهية بأن تمنح الإرهاب انتصارًا لم يستطع تحقيقه. إن قوة الدولة في عدالتها، وقوة المجتمع في تماسكه، وقوة الأردنيين في قدرتهم على تجاوز الألم دون التفريط بوحدتهم.
يا أبناء الأردن، إن تراب هذا الوطن أغلى من أن نسمح لأحد بأن يزر