في مشهد جسّد أسمى معاني التضامن والتكافل، تداعى الأردنيون من مختلف المحافظات إلى مستشفى الكرك الحكومي ومستشفى الأمير علي العسكري للتبرع بالدم، عقب الجريمة التي استهدفت كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك، في هبّة إنسانية عكست وقوف الأردنيين إلى جانب بعضهم في أوقات الشدائد.
وخلال الساعات الأولى من الحادثة، توافد المواطنون إلى المستشفيين للاطمئنان على المصابين، قبل أن تتحول الزيارات إلى حملة واسعة للتبرع بالدم، لا سيما الزمر النادرة، استجابة لاحتياجات الكوادر الطبية وسعياً إلى تعزيز فرص إنقاذ المصابين.
وسرعان ما انتشرت الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي والاتصالات الهاتفية، لتصل أعداد المتبرعين إلى مئات الأشخاص خلال وقت قصير، فيما قدمت حافلات من السلط والطفيلة وجرش ومحافظات أخرى إلى الكرك، في مشهد عكس وحدة الأردنيين وتكاتفهم بعيداً عن أي اختلافات.
وقال ضابط ارتباط الأزمات ورئيس قسم الشؤون الفنية في مديرية صحة محافظة الكرك، الدكتور عربي أبو قديري، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن عدد وحدات الدم التي جُمعت خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى بلغ 397 وحدة في مستشفى الكرك الحكومي، و232 وحدة في مستشفى الأمير علي العسكري، ليصل المجموع إلى 629 وحدة.
وأوضح أن كل وحدة دم تعادل نحو 350 مليلتراً، ما يعني أن الأردنيين تبرعوا بنحو 220 ألفاً و150 مليلتراً من الدم خلال تلك الفترة، في وقت احتاج فيه المصابون إلى نحو 30 وحدة، فيما جرى الاحتفاظ بالوحدات الأخرى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة، لتكون متاحة عند الحاجة.
وأضاف أبو قديري أن الإقبال الكبير من المواطنين من مختلف المحافظات لم يكن مستغرباً، مشيراً إلى أن المستشفيين شهدا ازدحاماً بالمتبرعين الذين بادروا إلى تقديم ما يستطيعون للمساهمة في إنقاذ الأرواح.
ورصدت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) جانباً من هذه المبادرة، والتقت المواطن شادي المدادحة، المعروف بأبي مداح، الذي كان من أوائل الواصلين إلى مستشفى الكرك الحكومي برفقة ابنه البالغ من العمر 20 عاماً، حيث بادر الاثنان إلى التبرع بالدم.
وقال أبو مداح إنه توجه فور سماعه بالحادثة لمعرفة موقعها، قبل أن يتوجه إلى قرية حمود، ثم يعود إلى مستشفى الكرك الحكومي بعدما علم بحاجة المصابين إلى الدم. وأشار إلى أنه شارك في إطلاق نداءات للتبرع، ليتوافد المواطنون بأعداد كبيرة، ثم انتقل مع آخرين إلى مستشفى الأمير علي العسكري لمواصلة التبرع.
وأضاف أن المتبرعين ظلوا في المستشفى حتى ساعات الصباح، رغم إبلاغهم من الكوادر الطبية بإمكانية استدعائهم مجدداً إذا دعت الحاجة، مؤكداً أن التبرع بالدم أقل ما يمكن تقديمه لمساندة أردنيين تعرضوا للاعتداء في مكان عبادتهم.
من جهته، قال رئيس جمعية سند للفكر الشبابي، سلطان الخلايلة، إن الحادثة تمثل جرحاً أصاب الوطن، إلا أن استجابة الأردنيين عكست قدرتهم على التكاتف في مواجهة الأزمات، وأظهرت مجدداً ما يتحلون به من تضامن وإحساس بالمسؤولية تجاه أبناء مجتمعهم.
وأضاف أن حملات التبرع بالدم التي شهدتها الكرك ومحافظات المملكة تؤكد أن الأردنيين يقفون صفاً واحداً في الأوقات الصعبة، لافتاً إلى أن المبادرة شارك فيها مواطنون من مختلف الفئات، بينهم طلبة جامعات وعسكريون ومدنيون، قدموا من شمال المملكة إلى جنوبها استجابة لنداءات إنقاذ المصابين.
وأكد الخلايلة أهمية التبرع بالدم في الساعات الأولى من الحوادث الطارئة، لما يوفره من دعم للكوادر الطبية في التعامل مع الإصابات، مشيراً إلى أن بنوك الدم في الأردن تنظم حملات دورية لتأمين احتياجات المرضى والمصابين.
بدوره، قال الباحث في معهد السياسة والمجتمع، المهندس حسين الصرايرة، إن الإقبال على التبرع بالدم في الكرك تجاوز كونه استجابة إنسانية عاجلة، ليعكس عمق الروابط التي تجمع الأردنيين، وتقدم قيمة الإنسان وحياته على الاختلافات الدينية والاجتماعية.
وأوضح أن التبرع بالدم يحمل دلالة إنسانية تتجاوز وظيفته الطبية، إذ يمنح المتبرع شخصاً آخر فرصة للنجاة، حتى وإن لم تكن بينهما معرفة سابقة، مشيراً إلى أن مثل هذه المواقف تبرز معنى المواطنة القائمة على التضامن والمسؤولية المشتركة.
وأضاف الصرايرة أن التماسك الوطني لا يقتصر على الشعارات، بل يتجلى في المواقف العملية التي يبادر فيها أفراد المجتمع إلى مساندة بعضهم بعضاً عند وقوع الأزمات، معتبراً أن ما شهدته الكرك يمثل نموذجاً للتكافل الذي يعزز منعة المجتمع وقدرته على تجاوز المحن.
وأشار إلى أن المبادرة تعكس حقيقة أن الألم الذي يصيب فرداً أو عائلة يمكن أن يتحول إلى مسؤولية جماعية، وأن اختلاف المعتقدات لا ينتقص من حق الإنسان في الحياة أو من واجب الوقوف إلى جانبه.
وختم الصرايرة بالتأكيد أن ما شهدته الكرك يبعث برسالة مفادها أن الأوطان تُبنى أيضاً بما يقدمه أبناؤها لبعضهم من حياة وأمل وثقة، وأن التبرع بالدم يجسد أسمى صور التضامن الإنساني، حيث تتقدم قيمة الحياة على كل اختلاف.
وتبقى هذه الهبّة شاهداً على أن الأردنيين، حين يواجه أحدهم المحنة، يتقدمون لمساندته، وأن الدم الذي يُبذل لإنقاذ حياة إنسان لا يعرف حدوداً أو اختلافات، بل يحمل معنى واحداً: الإنسان أولاً.