في الكرك ، سال دم أردني طاهر في بيت من بيوت الله أثناء جنازة ، تسعة شهداء وخمسه وعشرونا مصاباً، برصاص غدرٍ جبان، لا يعرف ديناً ولا يعرف وطناً ، فجعٌ أصاب بيوت الأردنيين جميعاً، من شماله إلى جنوبه.
لكن الأردن، كما عهدناه ، لا ينكسر ولا يلين في الازمات وجاء الصوت الهاشمي الحازم ليضع النقاط على الحروف، كما قال جلالة الملك عبدالله الثاني: "دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
إن قوة الأردن لا تُقاس بعدد بنادقه، بل بمتانة بنيانه. بنيانٌ أساسه قيادة هاشمية حكيمة، وعماده مؤسسات أمنية ساهرة، وسقفه وحدة وطنية متماسكة لا تتصدع.
غير أن الحزم الأمني، مهما بلغ، يبقى علاجاً لحظيا ، إن لم يُسند بعلاج للفكرة. وهنا نستذكر بأن هناك استراتيجيه وطنيه لمواجهة الفكر المتطرف وهي ثمرة جهد وطني قاده مجلس السياسات الوطني عام ٢٠١٤ ووضعت الدوله الاردنيه خريطة طريق متكامله ، وكانت استراتيجيه رصينة ، تشاركية، حددت بدقة دور كل وزارة في مواجهة هذا الفكر ، وأخص بالذكر الموسسات الدينيه والشبابيه والتعليميه والثقافيه والاجتماعيه والاعلاميه وكلفت وزارة الداخليه بقيادة المهام التنسيقيه لانجاح الاستراتيجيه التي كانت تقوم على ثلاثة محاور ، محور ديني ثقافي يعيد للإسلام وسطيته، ومحور ديمقراطي يرسخ العدالة والمساواة، ومحور إنساني يكرس التسامح وقبول الآخر.
ولكن، وبكل أسف، يبدو أن هذه الاستراتيجيه قد وضعت على الرف، أو جُمّدت، أو فقدت زخمها بعد عدة سنوات من التطبيق ، فتركت فراغاً تسلل منه الفكر الظلامي .
واليوم، بعد جريمة الكرك، بات لزاماً علينا إعادة تفعيل هذه الاستراتيجية ومنحها زخما وقوه ، وإعادة الاعتبار للدور السيادي لوزارة الداخلية في متابعة تفاصيلها التنفيذيه .
ولا يمكن أن يتم ذلك والحاكم الإداري، محافظاً كان او متصرفاً مشغولا بغير مهامه الاصيله ، لقد أثقلنا كاهل الحاكم الإداري بمهام ثانويه ، فأصبحنا نراه مشرفاً على حملات النظافة والبيئة، وراعياً للمهرجانات والبازارات ، ومتصدراً للجاهات في المناسبات الاجتماعية ، إنها مهام مجتمعيه مقدرة ، لكن ان لا تكون على حساب مهامه الاصيله ، وهي حفظ الأمن والنظام العام ورئاسة الاداره العامه وتنفيذ توجهات وسياسات الدوله ضمن اختصاصه ومن ضمنها استراتيجية مواجهة الفكر المتطرف .
مكافحة الفكر التطرف تحتاج حاكما اداريا متابعا لمهامه قويا حاضرا في الميدان ، ويعرف تفاصيل منطقته ويعرف بؤر التحريض قبل أن تتحول إلى عمل ارهابي .
إذا عدنا إلى خريطة الطريق التي رسمتها الدولة، وأعدنا لكل وزارة ومؤسسة دورها الحقيقي ، وأعدنا الحاكم الإداري إلى وظيفته التي وجد من أجلها ، مع تحصين هذه الاستراتيجية لتكون استراتيجية دولة عابرة للحكومات، عندها فقط نجزم أننا وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح في اجتثاث الفكر التكفيري المتطرف من جذوره .
سيخرج الأردن من محنة الكرك أكثر قوة وصلابة، وسيمضي واحةً للأمن والاستقرار والازدهار.