في لحظة صعبة من تاريخ وطننا العزيز، امتدت يد الغدر والخيانة لتستهدف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية "حمود" الأبية بمحافظة الكرك، أثناء تشييع جنازة ومراسم تأبين، في جريمة نكراء بكافة المقاييس الإنسانية والأخلاقية استهدفت الأبرياء وهم بين يدي الله وفي حرمة الموت والحزن. لكن من يقفون وراء هذا الهجوم الخسيس جهلوا أمرين أساسيين: ماهية الأردن وعمق تاريخه، وخيبة حساباتهم حين يتطاولون على نسيجنا الوطني.
إن المسيحيين في الأردن ليسوا طارئين، ولا حلفاء مرحلة، ولا "أقلية" تبحث عن حماية؛ بل هم أهل الدار، وجذور الشجرة الأردنية الضاربة في عمق التاريخ. فمنذ بزوغ فجر المسيحية، كانت أرض الأردن مسرحاً لأقدام الأنبياء والرسل؛ على ضفاف جبال الكرك، وفي أدر، وحمود، والربة، والسلط، وعجلون، وأم الرصاص، ومغطس المعمودية في الجانب الشرقي لنهر الأردن. إن المسيحية الأردنية هي حارسة التاريخ والمكان، وشركاء الدم والعرق في بناء الدولة الأردنية الحديثة جنبًا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين في كل موقع وميدان.
ولقد أثبتت هذه الحادثة الأليمة مرة أخرى أن قيادة هذا الوطن وشعبه يقفون في خندق واحد دفاعاً عن حرمة كل شبر في المملكة. فقد تعاملت قيادة الدولة بحزم مطلق، مؤكدة أن الاستهداف الإرهابي لن ينال من عزيمة الوطن، وأن يد العدالة ستطال كل من تورط في هذا العمل الخسيس بأشد العقوبات، حيث كانت وما تزال الوصاية والمسؤولية الهاشمية تاريخياً صمام أمان للوجود المسيحي والعيش المشترك في الشرق الأوسط بأكمله. وفي المقابل، ظن أصحاب الفكر التكفيري الجبان أن استهداف دار عبادة مسيحية سيحدث شرخاً طائفياً، فجاءهم الرد الشعبي الجارف من كل بيت أردني يؤكد أن الكنائس بيوتنا، والمساجد بيوتنا، والدم الأردني واحد، لتقف الكرك والأردن قاطبة صفاً واحداً وتعلن أن أي اعتداء على كنيسة هو اعتداء على كل مسجد، وعلى كل أردني وأردنية.
وإلى أهلنا وإخواننا وأحبتنا، مسيحيي الكرك والأردن جميعاً، نقول إن هذا المصاب الجلل هو مصاب الوطن بأكمله؛ فدمكم دمنا، وحزنكم حزننا، وأمنكم هو أمن كل بيت أردني، ولم تزدنا رصاصات الغدر إلا إيماناً ببعضنا وتماسكاً حول وطننا ومؤسساتنا الأمنية والعسكرية. إن الأردن القوي بقيادته، وبوعي أبنائه وبسالة جنده، سيظل عصياً على الفتن، وستبقى الكرك قلعة الصمود التي تحطمت وتحطم عليها كل محاولات اختراق جبهتنا الداخلية. رحم الله الضحايا والشهداء، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وشافى المصابين، وحفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً عصياً على كيد الكائدين.