«لن تُسعفَنا الخطاباتُ، لكنَّ التكاملَ الواقعيَّ قد يفعل»
في عالمٍ يموجُ بالأحلافِ المتصارعة، وتتزاحمُ فيه الأسواقُ والتكتلاتُ الكبرى، يقفُ العربُ على أرضيةٍ حافلةٍ بالمقومات: لغةٌ واحدة، وتاريخٌ جامع، وجغرافيا استراتيجية تُهيمنُ على أهم المعابرِ والممراتِ الدولية. ومع ذلك، يتبدى الواقعُ العربيُّ في كثيرٍ من الأحيان بأقلَّ بكثيرٍ مما يختزنه من مَكامنِ القوة.
إنَّ ما يحفه بنا من حروبٍ وأزماتٍ متلاحقةٍ لا يستنزفُ الدولَ والشعوبَ فحسب، بل يُغري قوى العالم بالتعامل مع أرضنا وثرواتنا بلمنطق المصلحة النفعية لا بأخوّةِ المصير. وهنا، ينبغي أن يتجاوزَ السؤالُ الصادقُ عقليّةَ اللومِ والمؤامرة («من يتآمرُ علينا؟»)، ليتجهَ رأساً إلى مكاشفةِ الذات: «ماذا صَنَعْنا بما نَمْلِك؟»
رَصِيدٌ زَاخِرٌ.. وعَائِدٌ ضَئِيل
نمتلكُ مقوماتٍ سياديةً متكاملة: أمةٌ تلتفُّ حول لغةٍ واحدة من المحيط إلى الخليج، وقيمٍ حضاريةٍ مشتركة، وتاريخٍ أسهمَ الجميعُ في إرساء معالمه، إلى جانبِ كنزٍ بشريٍّ تمثله فئةُ الشباب التي تشكلُ النسبةَ الأكبرَ من ديموغرافيتنا، ناهيك عن الثرواتِ الهائلة في مجالاتِ الطاقة والزراعة والموقع المتميز.
غير أنَّ لغةَ الأرقامِ تدحضُ ادعاءَ التحول إلى قوةٍ فعلية؛ فبالرغم من تجاوزِ التبادلِ التجاري العربي 250 مليار دولار وفق تصريحاتٍ رسميةٍ حديثة، إلا أنه يظلُّ ضئيلاً مقارنةً بوزن 22 دولة. إذ يؤكد رئيسُ غرفةِ قطر أن التجارةَ البينيةَ لا تتجاوز عُشْرَ (10%) إجمالي التجارة العربية الخارجية، فضلاً عن أنه رغم كثرة الاتفاقيات المُبرمة منذ أربعينيات القرن الماضي، إلا أن مخرجاتها ظلت محدودةَ الأثر.
إنَّ الحديثَ عن وحدةٍ اندماجيةٍ فورية تُسقطُ الحدودَ وتُلغي الأنظمةَ القائمة ليس طرحاً واقعياً في الظروف الراهنة؛ فلكل دولةٍ تجربتها التاريخية، ومصالحها الوطنية، وأولوياتها الخاصة. والارتهانُ لهذا الحلم الرومانسي يحجبُ عنا إمكانيةَ تحقيقِ ما هو مُتاحٌ وممكن. فالقوةُ الحقيقيةُ لا تكمنُ في إيجادِ نسخٍ متطابقة، بل في نسجِ تكاملٍ حيويٍّ بين تجاربنا المتنوعة.
خَارِطَةُ طَرِيقٍ مِنْ سِتِّ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّة
لتنفيذ هذا التكامل الشامل، تبرز مسارات مترابطة تبدأ من حماية الدولة الوطنية وتثبيت أركانها باعتبارها حجر الزاوية، لتفضي إلى إدارة الخلافات بنفعية تضمن الحد الأدنى من المصالح. ومن هذه القاعدة ينطلق البناء نحو اقتصاد عابر للحواجز يُعزز التبادل والحرية المالية، مسنوداً بتحقيق السيادة الثلاثية في مجالات الغذاء والدواء والتقنية. وتكتمل هذه المنظومة بالتركيز على الاستثمار في رأس المال البشري والتعليم النوعي، وصولاً إلى صياغة موقف سياسي موحد يُعبّر عن قضايا الأمة المصيرية.
ويتجلى تفصيل هذه المسارات في الخطوات التالية:
* صيانةُ وتثبيتُ أركانِ الدولةِ الوطنية: استقرارُ كل دولةٍ عربيةٍ هو حجرُ الزاويه لاستقرارِ الجميع، إذ إن تداعي أيّ نظامٍ سياسيٍّ تُصيبُ ارتداداتُه أمنَ الجوار قبل غيره.
* إدارةُ الخلافاتِ بمنطق المصالح: التباينُ أمرٌ طبيعي، لكن المهارة تكمنُ في إدارة الاختلافاتِ ومَنعِ تحوّلها إلى قطيعة، عبر التوافق على حدٍّ أدنى من المصالح التي لا تُمسّ.
* اقتصادٌ عابرٌ للحواجز والقيود: تفعيلُ منطقةِ التجارةِ الحرة العربية الكبرى، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وحرية رؤوس الأموال والأفراد، وربط شبكات الطرق والموانئ والطاقة؛ لرأس المال العربي الأولويةُ في الاستثمار داخل البيئة العربية.
لا يُشترطُ لإنقاذِ العمل العربي الشامل أن يبدأَ بانخراطِ كافةِ الدول دفعةً واحدة. بل يمكنُ لتكتلاتٍ إقليميةٍ فرعية (مثل: مجلس التعاون الخليجي، دول بلاد الشام، وادي النيل، والمغرب العربي) أن تؤسسَ لمشروعاتِ تكاملٍ حقيقيةٍ وبينيةٍ بينها، مع إبقاءِ الأبوابِ مفتوحةً لانضمام البقية لاحقاً. إنَّ تحويلَ التجاربِ الناجحةِ إلى جسورٍ ممتدة هو السبيلُ الأمثلُ لبناءِ التكتلِ العربي الشامل.
خَاتِمَة: خِيَارُ الاعْتِمَادِ عَلَى الذَّات
لم تعد القوةُ في عصرنا الراهن تُقاسُ بطلاقةِ الخطابات أو بلاغةِ البيانات، بل بمؤشراتِ الاقتصاد، والتقدم العلمي، والتماسك الاجتماعي الداخلي، والقدرةِ الحثيثة على حمايةِ المصالح الوطنية.
إنَّ الأممَ لا تنهضُ لأنَّ العالمَ أنصفها، بل لأنها عقدت العزمَ ألا تنتظرَ الإنصافَ من أحد. ومن بادرَ بفكِّ رموزِ عثراته وشَرَعَ في إصلاحِ ذاته، سبقَ من أهدرَ عُمرَهُ بانتظارِ الظروفِ المثالية.