حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
عندما نجلس مع الكبار.. راشد الشوحة مثالا
نيروز
- بقلم الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات
عندما
نجلس مع الكبار، ندرك أن معنى الكِبَر لا يقاس بالمنصب، ولا بعدد الشهادات، ولا بحجم
المال، ولا بعدد المناصب التي شغلها الإنسان في حياته، وإنما يقاس بما يحمله في قلبه
من أخلاق، وفي عقله من ثقافة، وفي سلوكه من تواضع، وفي مواقفه من ثبات، وفي علاقته
بالناس من محبة واحترام، وبما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
الكبار
الحقيقيون لا يحتاجون إلى من يقدمهم، فحضورهم يسبق أسماءهم، وأخلاقهم تتحدث عنهم، وتجاربهم
تختصر كثيرا من الكلام. هم أولئك الذين كلما جلست إليهم خرجت من مجلسهم وأنت تشعر أنك
تعلمت شيئا جديدا، أو اكتشفت معنى جميلا من معاني الحياة، أو أدركت أن الوطن لا يبنى
بالشعارات، وإنما بالعمل والانتماء والمسؤولية.
ومن هؤلاء
الرجال الذين يفرضون احترامهم بهدوء، ويتركون أثرا طيبا في نفوس من يلتقون بهم، النائب
السابق راشد محمد سليمان الشوحة "أبو محمد"، الذي يمثل نموذجا للرجل الذي
جمع بين التجربة والمعرفة، وبين العمل العام والأخلاق، وبين المسؤولية والتواضع.
وأنت تجلس
مع أبو محمد، لا تشعر أنك أمام رجل يبحث عن استعراض ما حققه، بل أمام إنسان يتحدث من
رصيد طويل من التجربة. حديثه هادئ، وطرحه متزن، ونظرته للأمور عميقة، ويمنح من يجالسه
مساحة للاستماع والحوار. ولعل أجمل ما في الرجال الذين خدموا وطنهم أن التجربة لا تجعلهم
أكثر غرورا، بل أكثر تواضعا، ولا تزيدهم المناصب إلا إدراكا لقيمة الإنسان.
ولد راشد
الشوحة في بيت راس عام 1958، وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والقانون
الدولي من جامعة كراتشي عام 1982، ثم خاض مسيرة مهنية ووطنية امتدت في أكثر من موقع
ومؤسسة، فعمل في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية في مجال الدراسات والحرب النفسية،
كما عمل في دائرة الأحوال المدنية والجوازات في عدد من المحافظات، وتدرج في مواقع إدارية
مختلفة.
وفي الحياة
النيابية، كان عضوا في مجلس النواب الثامن عشر، ثم في مجلس النواب التاسع عشر، وانتخب
مساعدا لرئيس المجلس، وشارك في عدد من اللجان النيابية، من بينها الإدارية والمالية
والشفافية والاستثمار وفلسطين والشؤون الخارجية، وكان عضوا في كتلة العدالة النيابية.
كما حمل
الأردن في عدد من المحافل والمؤتمرات الإقليمية والدولية، وترأس وفودا أردنية، وشارك
في ملفات تتصل بالإدارة العامة والأحوال المدنية، وكان رئيسا للجنة الإشراف على تصميم
وإصدار نسخة جديدة من جوازات السفر الأردنية في ألمانيا، إضافة إلى أدوار قيادية أخرى
تؤكد اتساع تجربته الوطنية والإدارية.
لكن السيرة
الحقيقية للإنسان لا تكتب كلها في السجلات الرسمية، ولا تختصرها المناصب والألقاب.
هناك سيرة
أخرى يكتبها الناس.
وهذه السيرة
هي التي أراها الأهم في تجربة راشد الشوحة.
فمن يعرفه
عن قرب يعرف أنه رجل محب للناس، قريب منهم، يحترم الكبير ويقدر الصغير، ويؤمن بأن خدمة
المجتمع ليست موسما انتخابيا ولا منصبا مؤقتا، وإنما مسؤولية وأخلاق وسلوك يومي. كما
عرف عنه دعمه للمبادرات الثقافية والاجتماعية والخيرية، وحرصه على إصلاح ذات البين،
والمساهمة في حل الخلافات بالحكمة والرأي السديد.
وفي زمن
أصبحت فيه بعض الشخصيات تقيس قيمتها بعدد المتابعين أو المناصب أو الصور، يبقى هناك
رجال تقاس قيمتهم بعدد القلوب التي أحبتهم، وعدد الناس الذين يذكرونهم بالخير، وبالمواقف
التي وقفوا فيها إلى جانب الآخرين دون ضجيج.
وهنا تكمن
قيمة الكبار.
الكبير
ليس من يجلس في صدر المجلس فقط، بل من يجعل الآخرين يشعرون بقيمتهم وهم يجلسون إلى
جانبه.
والكبير
ليس من يرفع صوته، بل من يملك من الحكمة ما يجعله قادرا على إيصال فكرته دون أن ينتقص
من الآخرين.
والكبير
ليس من يجمع حوله الناس لمصلحة، بل من يبقى الناس حوله حتى بعد انتهاء المنصب.
وراشد
الشوحة، في تقديري، من هذا النوع من الرجال.
قد تختلف
معه في الرأي، وقد تناقشه في فكرة أو موقف، لكنك لا تملك إلا أن تحترم تجربته وطريقته
في الحوار، لأن الرجل الذي خدم في مؤسسات الدولة، وعمل في الإدارة، وخاض التجربة النيابية،
واحتك بالناس، وشارك في المحافل الدولية، لا يتحدث من فراغ، وإنما من تجربة طويلة صنعتها
السنوات والمواقف.
والأجمل
من كل ذلك أن تبقى التجربة مقرونة بالتواضع.
فالتواضع
هو الاختبار الحقيقي للإنسان بعد أن يصل إلى المكانة. وكثيرون يستطيعون الوصول إلى
القمة، لكن القليل منهم يستطيعون البقاء فيها وهم يحتفظون بإنسانيتهم وبساطتهم وقربهم
من الناس.
لذلك،
عندما نجلس مع الكبار، لا نبحث عن مناصبهم بقدر ما نبحث عن الإنسان الذي خلف تلك المناصب.
نبحث عن
الأخلاق، وعن الحكمة، وعن الثقافة، وعن المواقف، وعن حب الوطن، وعن الأثر.
وراشد
الشوحة مثال على رجل ترك بصمته في أكثر من موقع، لكنه ظل محتفظا بما هو أهم من كل المواقع:
إنسانيته، وتواضعه، ومحبة الناس، وإيمانه بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية.
في النهاية،
قد تنتهي المناصب، وتتغير المواقع، وتطوى صفحات الوظائف والنيابة، لكن ما يبقى هو السيرة
الطيبة.
والسيرة
الطيبة لا تُشترى بالمال، ولا تُمنح بقرار، ولا تصنعها الشهادات وحدها.
إنها تُبنى
عاما بعد عام، وموقفا بعد موقف، ومع الناس ولأجل الناس.
ولهذا،
فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن رجل بحجم تجربة راشد الشوحة ليس كم منصبا شغل، ولا كم
شهادة يحمل، وإنما: ماذا ترك وراءه من أثر؟
والأثر
الطيب هو الإرث الذي لا يسقط بالتقادم.
فالكبار
ليسوا في المنصب ولا الشهادات ولا المال... الكبار بأخلاقهم وثقافتهم وتعاملهم وحبهم
لأوطانهم، وبالأثر الجميل الذي يتركونه في حياة الناس.