تزداد الدعوات إلى التفكير جديا بالتوجه نحو الزراعات ذات القيمة الاقتصادية، نظرا لجدواها ومردودها على المزارعين، بينما يؤيد خبراء زراعيون هذا التوجه، معتبرين أن الهدف من ذلك ليس تغيير المحاصيل لمجرد التغيير، ولا تقليل الإنتاج الزراعي، وإنما تحقيق قيمة اقتصادية أكبر من كل وحدة أرض ومياه.
وبيّن هؤلاء الخبراء، أن الزراعة الأكثر كفاءة في بلد محدود المياه ليست بالضرورة إنتاج أكبر كمية من المحاصيل، وإنما التي تستطيع أن تحول الموارد المتاحة إلى أعلى قيمة ممكنة، مع سوق قادر على استيعاب الإنتاج، ومزارع يحصل على عائد عادل ومستدام.
وأشاروا إلى أن المعادلة التي ينبغي تحقيقها هي تحقيق محصول مناسب، وسوق حقيقي، وتصنيع يضيف قيمة، من المياه المحدودة، وهي الأسس التي يمكن أن تبنى عليها زراعة أكثر كفاءة وقدرة على الاستمرار.
تحول هيكلي زراعي
في هذا السياق، يرى المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة، الدكتور خالد خريسات، أن الزراعة ذات القيمة العالية تعد تحولاً هيكلياً تشهده الأسواق العالمية للانتقال من "الزراعة التقليدية القائمة على المساحات الشاسعة" إلى "الزراعة المبتكرة القائمة على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة".
وأضاف خريسات إن هذه المنظومة تعتمد على ثلاثة أركان رئيسة هي كفاءة الموارد الشحيحة، حيث تُحقق محاصيل القيمة العالية (كالخروب، والزعفران، والمكسرات الاستوائية) عوائد مالية تعادل من 5 إلى 10 أضعاف لكل متر مكعب من المياه ولكل دونم، مقارنة بالمحاصيل الحقلية التقليدية.
أما الركن الثاني، بحسبه، فهو تحقيق الاندماج في سلاسل التصنيع الدقيق، إذ تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية في تحويل هذه المحاصيل إلى مدخلات لصناعات الأدوية والتجميل والأغذية الوظيفية؛ كاستخراج صمغ البذور من الخروب المطلوب عالمياً بأسعار مرتفعة.
وتابع: "وأما الركن الثالث فيتمثل في تلبية نمو الأسواق الكبيرة؛ إذ أصبح فتح فرص تصديرية مستدامة بالعملة الصعبة عبر تلبية الطلب العالمي المتزايد على الأغذية العضوية والبدائل الصحية الخالية من الكافيين أولوية في القطاع الزراعي".
وضرب خريسات أمثلة على النماذج الناجحة عالميا، كزراعة الزعفران الذي يعد "الذهب الأحمر"، وهو نموذج ناجح في دول مثل إيران وإسبانيا وكشمير لكيفية تعظيم القيمة المالية لكل دونم ومتر مكعب من المياه؛ حيث يُصنف كأغلى محصول زراعي في العالم بحسب الوزن، إذ تتراوح أسعار الكيلوغرام الواحد منه بين 1,500 إلى 5,000 دولار.
وأضاف إن القيمة الاقتصادية الاستثنائية للزعفران تكمن في اعتماده على استغلال المساحات الزراعية الصغيرة والأيدي العاملة الماهرة لجمع مياسم الأزهار الدقيقة، ليتحول هذا المحصول من زراعة مقتصرة على الطهي إلى مدخل إستراتيجي عالي القيمة يدخل مباشرة في سلاسل تصنيع الأدوية الفاخرة، والمستحضرات التجميلية، والعطور العالمية.
وزاد: "من النماذج الناجحة أيضا زراعة المكسرات الاستوائية، مثل جوز الماكاديميا في أستراليا وجنوب أفريقيا، والفستق الحلبي في مناطق حوض المتوسط، والتي تعتبر نموذجاً عالمياً رائداً في استصلاح الأراضي عبر زراعة أشجار معمرة ذات كفاءة مائية عالية وعائد استثماري طويل الأجل".
وأشار إلى أن ربحية هذا القطاع تكمن بإنتاج مكسرات ذات فترة تخزين طويلة وقدرة عالية على تحمّل سلاسل الشحن التصديري، إلى جانب القيمة المضافة الناجمة عن استخلاص زيوتها الفاخرة المستخدمة في صناعة مستحضرات العناية بالبشرة والمنتجات الغذائية عالية الجودة الموجهة للأسواق ذات القوة الشرائية المرتفعة.
تجارب أردنية
على الصعيد المحلي، أوضح خريسات أن ثمة تجارب للتحول نحو الزراعة ذات القيمة العالية بمسار متدرج فرضته بيئة المملكة الجغرافية وندرة الموارد المائية، حيث انتقل القطاع وعبر العديد من المراحل الأساسية، من الاعتماد الكامل على الزراعة المطرية إلى الزراعة المروية بإنشاء قناة الملك عبد الله في سبعينيات القرن الماضي، ما أتاح التوسع في الحمضيات والخضراوات والأشجار المثمرة كالعنب والزيتون، ومن ثم التوسع في البيوت البلاستيكية لاستغلال ميزة الأغوار في ثمانينيات القرن الماضي.
وتابع: "لكن رغم نجاحها تصديرياً، إلا أن الاختناقات التسويقية دفعت للبحث عن محاصيل إستراتيجية لا تتلف سريعاً، وفي الأعوام القليلة الماضية بدأ اعتماد الصناعات عالية القيمة كمحرك رئيس في رؤية التحديث الاقتصادي 2033 والخطة الوطنية للزراعة المستدامة، والتركيز على محاصيل التكيف المناخي (كالخروب والنباتات الطبية) والزراعة المائية الحديثة".
وزاد: "برزت العديد من النماذج الناجحة للزراعة ذات القيمة العالية في الأردن مثل تمر المجهول في الأغوار والبادية الجنوبية، والذي يُعد النجاح الأردني الأبرز عالمياً؛ حيث تحولت المملكة من مستورد للتمور إلى صانع لسوق "تمر المجهول" الفاخر.
وأوضح أن الأردن يستحوذ اليوم على حصة مرموقة من الطلب العالمي بفضل جودة المنتج، معيداً تعريف القيمة المالية لنقطة المياه، والزيتون البكر الممتاز والزيوت عالية المواصفات في المناطق المرتفعة والشفا غورية، إضافة إلى التحول من إنتاج زيت الزيتون التقليدي إلى استخلاص الزيوت البكر عالية الجودة (Extra Virgin) وتعبئتها وفق المعايير الدولية، ما فتح منافذ تصديرية واسعة بأسعار تفضيلية في الأسواق الأوروبية والأميركية.
ومن الأمثلة أيضا، وفق خريسات، (النباتات الطبية والعطرية في عجلون وجرش والسلط)، إضافة إلى تجارب ومشاريع ريادية ناجحة لاستزراع وتجميع الميرمية، والزعتر، والبابونج، وربطها بإنتاج الزيوت الأساسية والتجفيف المعياري والتغليف الموجه لسلاسل الصيدليات والمتاجر العضوية، والأفوكادو والفستق الحلبي في المناطق المرتفعة والأغوار الشمالية، حيث نجح العديد من المزارعين في استبدال محاصيل تقليدية بهذه الأشجار وحققوا أرباحاً مضاعفة لكل دونم مع تقليل مخاطر التلف السريع في المحاصيل الخضرية.
زراعة الخروب
وبين خريسات أن شجرة الخروب تعد أحد النماذج التطبيقية للزراعة ذات القيمة العالية في مواجهة التحديات المائية؛ إذ تتميز بقدرتها الاستثنائية على تحمّل الجفاف والنمو في الأراضي الهامشية والكلسية دون مزاحمة المحاصيل الأخرى على المياه الشحيحة، فيما تتجاوز قيمتها الاقتصادية الحقيقية بيع الثمار الخام لتتجسد عند دخولها سلاسل التصنيع الغذائي والدوائي.
وقال إن القيمة المضافة لهذه الشجرة تكمن في استخراج صمغ الخروب (LBG) كثروة خام تُستخدم عالمياً كمثبت في الأدوية والأغذية وأدوات التجميل، إلى جانب تحويل ثمارها ودبسها إلى بدائل صحية طبيعية للشوكولاتة في الأسواق العضوية العالمية، فضلاً عن الاستغلال الشامل لأخشابها وأوراقها، مما يُعظّم العائد الاستثماري للدونم الواحد ويحول الأراضي الجافة إلى مصدر تنموي مستدام. وأضاف إن هذه الزراعة ذات القيمة العالية تتلاقى بشكل مباشر مع رؤية التحديث الاقتصادي (2022–2033)، التي تضع "الصناعات عالية القيمة" والتصنيع الزراعي في مقدمة محركات النمو المستدام والتشغيل.
وتابع: "يمثل التوسع المنهجي في زراعة محاصيل التكيف المناخي كالخروب والنباتات الطبية، وتبني تقنيات الزراعة الذكية والمائية (مثل التوتيات والأفوكادو)، لبناء سلاسل تصنيع تحويلية لاستخلاص صمغ الخروب (LBG) والزيوت العطرية الأساسية، وتصنيع الأغذية الوظيفية، تحولاً إستراتيجياً ينقل القطاع الزراعي الأردني من مفهوم الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد معرفي وصناعي متكامل قائم على شراكات حقيقية بين الأكاديميا والصناعة.
ولفت إلى أن الاستثمار في هذه الفرص لا يحمي الموارد المائية الشحيحة ويُعزز الأمن الغذائي فحسب، بل يُسهم في إحلال المستوردات، وفتح آفاق تصديرية بالعملة الصعبة، وخلق فرص عمل نوعية تمكّن الشباب والمرأة الريفية في المحافظات، ما يضع المملكة بثبات على خريطة الإنتاج الزراعي-الصناعي النوعي عالمياً.
حلول ذكية
من جهته، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي، أن الزراعة التقليدية التي تستهلك كميات ضخمة من المياه لم تعد حلاً ذكياً في وقت نعيش فيه أزمات جفاف ونقص في المياه، مبينا أنه ومن هنا، بدأ التوجه نحو نوع جديد من الزراعة يُعرف بـ "المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية".
وزاد العسوفي: "نعني بذلك زراعة أشجار قوية ومربحة جداً مثل الخروب، والفستق الحلبي، والنباتات الطبية، وهذه الأشجار تتميز بقدرتها العجيبة على العيش في الأجواء الجافة وتحمل قسوة الطقس، وفي الوقت نفسه تحقق أرباحاً مالية ممتازة تتجاوز بكثير تكاليف زراعتها".
وأضاف إن هذا التحول ينقلنا من مجرد زراعة عادية للاستهلاك اليومي، إلى مشروع استثماري حقيقي يربط الأرض بالمصانع التي تنتج الغذاء والدواء، ما يفتح الأبواب لتصدير منتجات محلية فاخرة ومنافسة في الأسواق العالمية.
وقال إذا نظرنا بتمعن إلى شجرة مثل الخروب، التي يسميها المزارعون اليوم "بنك الأرض"، سنجد أنها استثمار حقيقي للمستقبل؛ فهي شجرة معمرة لا تطلب الكثير من مياه الري، وتتحمل ملوحة التربة وتقلبات الجو، وفي المقابل، تعطينا هذه الشجرة إنتاجاً غنياً يدخل في صناعة بدائل السكر الصحية، واستخراج صمغ الخروب الثمين الذي يُستخدم عالمياً في تصنيع الأغذية والمستحضرات الطبية.
وزاد، إن إنشاء مشاريع زراعية وصناعية تعتمد على هذه المحاصيل، وتستخدم طرق الري الحديثة والتعبئة الذكية، يضمن للمستثمر استرداد رأس ماله في سنوات قليلة، مع تقديم منتجات طازجة ومصنعة تطابق أعلى معايير الجودة المطلوبة للتصدير.
وقال العسوفي إن فوائد هذا التغيير لا تتوقف عند الأرباح المالية فقط، بل تساهم بشكل مباشر في تطوير المجتمع وحماية البيئة، خاصة في المناطق التي تمتلك مساحات شائعة وبنية تحتية جاهزة للاستثمار مثل محافظات الجنوب، مبينا أن هذه المشاريع ومحطات الفرز والتبريد التابعة لها تخلق فرص عمل جديدة وممتازة للشباب، وتستفيد من الدعم والحوافز التي تقدمها الحكومة للمستثمرين.
وعلى الصعيد البيئي، أشار العسوفي إلى أن هذه الأشجار تلعب دوراً كبيراً في مكافحة التصحر وحماية التربة وتحسين الطبيعة حولنا، وهذه دعوة حقيقية لكل من يمتلك رأس مال، للاستثمار في مستقبل أخضر ومستدام يضمن الأمن الغذائي والاقتصادي للأجيال القادمة.
قرار اقتصادي
بدوره أكد الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية م.سمير سليمان، أن اختيار المحاصيل الزراعية لم يعد قضية مرتبطة فقط بقدرة الأرض على الإنتاج، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا يرتبط بالمياه المتاحة، وتكلفة الإنتاج، وحجم الطلب في السوق، وإمكانية التصنيع، والقيمة التي يمكن أن يحققها المنتج للمزارع، ولذا فإنه في بلد محدود الموارد المائية مثل الأردن، تزداد أهمية إعادة النظر في تركيبة المحاصيل، والبحث عن زراعات تستطيع تحقيق عائد اقتصادي أفضل من الموارد المتاحة.
وأضاف سليمان: "من هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا نستطيع أن نزرع؟ بل ماذا يجب أن نزرع بالمياه المتاحة، ولمن سنبيع ما ننتجه؟ فالمحصول الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه ولا يمتلك سوقًا مستقرة، لا يمكن النظر إلى جدواه من الإنتاجية وحدها، كما أن المحصول قليل الاحتياج للمياه لا يصبح خيارًا ناجحًا إذا لم تتوافر له سوق حقيقية أو قدرة على تحقيق عائد مناسب".
وقال إن التوجه نحو الزراعات ذات القيمة يجب أن يقوم على الجمع بين معيارين أساسيين: كفاءة استخدام المياه، والقدرة على الوصول إلى سوق مجدية، فالمتر المكعب من المياه أصبح موردًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن الأرض، ومن الضروري معرفة مقدار القيمة التي يمكن أن يحققها هذا المتر من خلال المحصول الذي ينتجه.
وبيّن سليمان أننا اعتدنا في تقييم المحاصيل الزراعية على السؤال عن إنتاجية الدونم، لكن هذا المؤشر وحده لم يعد كافيًا، فمحصول ما قد يعطي إنتاجًا مرتفعًا من وحدة الأرض، لكنه يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه للوصول إلى تلك الإنتاجية، بينما يستطيع محصول آخر تحقيق عائد اقتصادي جيد باستهلاك مائي أقل، لذلك فإن تقييم الزراعات المستقبلية يحتاج إلى الانتقال تدريجيًا من مفهوم إنتاجية الدونم إلى مفهوم أوسع يتمثل في القيمة الاقتصادية المتحققة من وحدة المياه.
وهنا يمكن أن تصبح الزراعة أكثر ارتباطًا بالسياسة المائية؛ فالمياه المتاحة ينبغي أن توجه، قدر الإمكان، إلى المحاصيل التي تحقق أفضل عائد اقتصادي، وتمتلك في الوقت نفسه فرصًا حقيقية في السوق.
واستدرك بالقول: "لكن كفاءة المياه وحدها لا تكفي، فمن الخطأ أن نشجع المزارع على زراعة محصول جديد ثم نبدأ بعد ذلك بالبحث عن سوق له، كما أن زيادة الإنتاج دون وجود قنوات تسويق واضحة قد تحول المحصول الناجح زراعيًا إلى مشكلة اقتصادية للمزارع، لذلك يجب أن يبدأ التخطيط من السوق: ما المنتجات التي يحتاجها المستهلك؟ وما الصناعات التي تحتاج إلى هذه المنتجات؟ وما فرص تصديرها؟ وما الكميات التي تستطيع الأسواق استيعابها؟". وأضاف: "عندما تتضح هذه الصورة يمكن تحديد المحاصيل المناسبة لإنتاج تلك المنتجات، ثم اختيار المناطق التي تتوافر فيها الظروف المناخية والمائية الملائمة لها".
نموذج للمقاربة
وأوضح سليمان أن الخروب يمكن أن يقدم نموذجًا جيدًا لهذه المقاربة، فميزته لا تقتصر على قدرته على تحمل الظروف الجافة نسبيًا، وإنما تمتد إلى تعدد استخداماته وإمكانية تحويله من محصول خام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مثل المساحيق والمشروبات والدبس وغيرها، وهذا يعني أن نجاح زراعته يجب ألا يقاس بعدد الأشجار أو كمية الإنتاج فقط، بل بقدرة هذه الزراعة على بناء سلسلة قيمة تبدأ من الأرض والمياه، مرورًا بالإنتاج والجمع والتجفيف، وصولًا إلى التصنيع والتعبئة والتسويق.
وأضاف إن الفكرة نفسها يمكن تطبيقها على مجموعة أخرى من المحاصيل والأشجار والنباتات التي تتمتع بقيمة اقتصادية أو فرص تصنيعية وتصديرية، بحيث لا يتحول الأمر إلى التركيز على محصول واحد، وإنما إلى تنويع مدروس للزراعات وفق إمكانات كل منطقة واحتياجات السوق.
وقال إن أهمية التصنيع تزداد عندما نتحدث عن الزراعات ذات القيمة، فبيع المنتج كمادة خام يعني أن جزءًا كبيرًا من القيمة النهائية يتحقق خارج المزرعة، بينما يمكن للتجفيف والفرز والتعبئة والتصنيع أن يرفع قيمة المنتج ويخلق أسواقًا جديدة ويقلل من مخاطر تقلب الأسعار، وهنا تلتقي قضية المياه مع قضية التصنيع؛ فكلما ارتفعت القيمة التي يحققها المنتج من كمية محددة من المياه، أصبحت الزراعة أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، وبالتالي فإن الاستثمار في التصنيع الغذائي المرتبط بالمحاصيل المحلية ليس قضية صناعية منفصلة عن الزراعة، بل جزء من إدارة الموارد الزراعية والمائية بكفاءة أكبر.
وأكد أن أي توجه جديد لن ينجح إذا بقي قرار اختيار المحاصيل بعيدًا عن المزارع، كونه الذي يتحمل تكلفة الزراعة ومخاطرها، ويحتاج قبل اتخاذ القرار إلى معلومات واضحة حول تكلفة الإنتاج، والاحتياجات المائية، ومدة الوصول إلى الإنتاج، والعائد المتوقع، إضافة إلى الأسواق المتاحة.
وتابع سليمان: "كما أن إدخال أي محصول جديد يحتاج إلى تجارب ميدانية ودراسات اقتصادية قبل التوسع فيه، حتى لا يتحول إلى موجة زراعية جديدة تؤدي بعد سنوات إلى فائض في الإنتاج وتراجع الأسعار".
وقال إن الأردن بحاجة إلى تطوير خريطة للزراعات ذات القيمة، لا مجرد قائمة بالمحاصيل المقترحة، بحيث تربط خصائص الأرض بالمياه والمناخ، وتضع أمامها احتياجات السوق وفرص التصنيع والتصدير، ومثل هذه الخريطة يمكن أن تساعد المزارع على اتخاذ قرار أكثر أمانًا، وتوجه الاستثمار نحو المحاصيل الأكثر ملاءمة لكل منطقة، وتوفر أساسًا أفضل للإرشاد الزراعي والتمويل والتصنيع والتسويق.
وأضاف إن الهدف من التوجه نحو الزراعات ذات القيمة ليس تغيير المحاصيل لمجرد التغيير، ولا تقليل الإنتاج الزراعي، وإنما تحقيق قيمة اقتصادية أكبر من كل وحدة أرض ومياه، فالزراعة الأكثر كفاءة في بلد محدود المياه ليست بالضرورة التي تنتج أكبر كمية، وإنما التي تستطيع أن تحول الموارد المتاحة إلى أعلى قيمة ممكنة، مع سوق قادر على استيعاب الإنتاج ومزارع يحصل على عائد عادل ومستدام. وختم بالقول: "هنا تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: مياه محدودة، ومحصول مناسب، وسوق حقيقي، وتصنيع يضيف قيمة؛ وهي الأسس التي يمكن أن تبنى عليها زراعة أكثر كفاءة وقدرة على الاستمرار".
أفضل الخيارات الزراعية
بدوره، بيّن مدير مديرية بحوث التغير المناخي في المركز الوطني للبحوث الزراعية د. جعفر الوديان، أن الخروب يعد أحد أهم الخيارات الزراعية الذكية في المناطق التي تعاني الجفاف وشحّ المياه وتملّح التربة.
وأضاف الوديان إن الخروب من أكثر الأشجار تحمّلاً للجفاف، فهو يعيش على كميات مياه قليلة، ويقاوم الحرارة المرتفعة والرياح الجافة، وينمو في تربة فقيرة لا تصلح لمحاصيل أخرى، ولا يحتاج إلى أسمدة كيميائية كثيرة، ويمكن أن يبقى منتجاً لعشرات السنين، مبينا أن الخروب ليس محصولاً واحداً، بل منظومة اقتصادية كاملة، حيث تُستخدم القرون في صناعة مسحوق الخروب، وهو بديل صحي للكاكاو، ومكوّن في صناعات الأغذية والمشروبات.
وتابع: "أما البذور فيُستخرج منها صمغ الخروب الذي يُستخدم في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل ومواد التثبيت، كما أن لشجرة الخروب أهمية كبرى في تثبيت النيتروجين، وتحسين التربة، ومكافحة التصحر، وتوفير الظل والتنوع الحيوي"، مبينا أن هذا التنوع يجعل الخروب محصولاً لا يعتمد على سوق واحد، بل يفتح أبواباً متعددة للدخل، كالتصنيع، والتحويل، والتصدير، إضافة إلى دخوله في صناعات تقليدية وحرفية، كما تسهم أشجاره في تخفيف آثار التغير المناخي عبر احتجاز الكربون".
وقال إن المطلع على الأسواق العالمية يرى تزايد الطلب العالمي على الخروب ومنتجاته، خاصة في أوروبا وأمريكا، بسبب توجه المستهلكين نحو المنتجات الطبيعية والخالية من الكافيين والغنية بالألياف، وهذا التوجه يحتاج إلى دعم حكومي للمزارعين الذين سيتحولون إلى زراعة الخروب، ويحتاج إلى مزيد من البحوث العلمية لتطوير أصناف عالية الجودة، كما أنه من الأهمية أيضا البدء بإنشاء صناعات تحويلية محلية بدلاً من تصدير المادة الخام.
وقال الوديان إنه في المناطق الجافة وشبه الجافة، لم يعد الخيار بين زراعة تقليدية تستنزف المياه، وترك الأرض قاحلة، إذ إن الخروب يقدّم طريقاً ثالثاً
للزراعة ذات القيمة العالية، بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، فهو ليس مجرد محصول، بل رؤية لتنمية مستدامة تُعيد الحياة إلى الأرض والإنسان معاً. عبدالله الربيحات "الغد"