حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
عبيدات
يكتب ... كفرسوم تفتح أبوابها للعرب ، زيارة تتجاوز الضيافة إلى صناعة الجسور
نيروز – بقلم العميد المتقاعد أحمد محمود بخيت عبيدات رئيس ديوان عشيرة العبيدات
ليست كل
الزيارات تُقاس بعدد ضيوفها، ولا كل المناسبات تُقاس بساعاتها؛ فبعض اللقاءات تنتهي
بانتهاء موعدها، بينما تترك لقاءات أخرى أثرًا يتجاوز المكان والزمان، وتبقى حاضرة
في الذاكرة بوصفها لحظة التقاء إنساني وثقافي ووطنـي.
ومن هذا
النوع كانت زيارة نحو 150 شخصية عربية من مختلف الدول العربية إلى كفرسوم وديار عشيرة
العبيدات، ضمن برنامج الوفد العربي المشارك في فعاليات مؤتمر فرسان وفارسات الرسالة
في عمّان.
فقد تحولت
الزيارة من مناسبة اجتماعية إلى مشهد واسع الأبعاد، امتزجت فيه الضيافة بالتاريخ، والثقافة
بالسياحة، والإعلام بالتواصل العربي، والعلاقات الإنسانية بالهوية الوطنية، والذاكرة
المحلية بالفضاء العربي الأوسع.
ولم تكن
كفرسوم في ذلك اليوم مجرد محطة على طريق الوفد، وإنما كانت عنوانًا أردنيًا قدم لضيوفه
صورة عن القرية الأردنية، وعن شمال الأردن، وعن عشيرة العبيدات، وعن قيم الكرم والنخوة
والشهامة التي تشكل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الاجتماعية الأردنية.
كفرسوم…
من قرية في الذاكرة إلى عنوان في الوجدان العربي
حين تستقبل
كفرسوم هذا العدد من الشخصيات القادمة من أقطار عربية متعددة، فإنها لا تستقبل ضيوفًا
فحسب، وإنما تستقبل فرصة ثمينة لكي يتعرف الآخرون إلى المكان من خلال أهله، وإلى القرية
من خلال أهلها، وإلى الأردن من خلال مجتمعه وقيمه وتاريخه.
فالضيف
الذي وصل إلى كفرسوم لم يرَ مائدة طعام فحسب، بل رأى قرية لها تاريخ، وأرضًا لها حكاية،
وعشيرة لها حضور، وأهلًا يفتحون أبوابهم وقلوبهم قبل بيوتهم.
وهنا تكمن
إحدى أهم فوائد الزيارة: أن يصبح اسم كفرسوم حاضرًا في ذاكرة مئات الضيوف العرب، وأن
يغادر كل واحد منهم وهو يحمل صورة خاصة عن هذه المنطقة؛ صورة امتزج فيها جمال المكان
بكرم الإنسان.
العبيدات…
حين يصبح الكرم رسالة وهوية
لقد منحت
هذه الاستضافة عشيرة العبيدات فرصة لتقديم نموذج حي عن الديوان العشائري حين يتحول
إلى مساحة رحبة للتواصل المجتمعي والإنساني والثقافي.
فالكرم
لم يكن في الطعام وحده، وإنما كان في حسن الاستقبال، وطيب الوفادة، والحوار، والتعارف،
وتعريف الضيف بتاريخ المكان ورجاله، وفتح أبواب البيت الأردني للأشقاء العرب.
وقد كان
وجود شخصيات إعلامية وأكاديمية وبرلمانية وثقافية واقتصادية، إلى جانب سيدات رائدات
وشخصيات مجتمعية من دول عربية مختلفة، فرصة لتكوين شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية
والمهنية والثقافية.
وهكذا
أصبح التعريف بالعبيدات قائمًا على التجربة والمشاهدة واللقاء المباشر؛ فالضيف لم يسمع
عن كرم العبيدات فقط، بل عاشه، ولم يقرأ عن كفرسوم فقط، بل زارها، ولم يسمع عن الأردن
من بعيد، بل جلس إلى مائدته والتقى بأهله.
دور الاستضافة
في إبراز العبيدات
لم تكن
الاستضافة مجرد واجب اجتماعي، وإنما شكلت مناسبة لإبراز عشيرة العبيدات وديوانها ومكانتها
الاجتماعية والتاريخية أمام نخبة عربية واسعة تمثل أقطارًا عربية متعددة.
وقد أسهم
اللقاء في تعريف الضيوف بتاريخ العشيرة، وقيمها، ودورها في المجتمع، وربط اسم العبيدات
بصورة حية عن الكرم الأردني والانفتاح على الأشقاء العرب.
كما أن
اجتماع شخصيات عربية متعددة في ديوان العبيدات أوجد مساحة للتعارف والحوار وتبادل الخبرات،
وأتاح بناء علاقات إنسانية وثقافية ومهنية يمكن أن تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الزيارة.
وهنا تبرز
أهمية مثل هذه المبادرات؛ فالعشيرة لا تقدم نفسها من خلال تاريخها فقط، وإنما من خلال
حاضرها وقدرتها على التواصل والانفتاح وخدمة المجتمع وتعزيز العلاقات الإنسانية.
التاريخ…
حين تتحدث الأرض عن رجالها
كان استحضار
سيرة الشيخ كايد المفلح العبيدات وما قدمه أبناء المنطقة من تضحيات وإسهامات وطنية
أكثر من مجرد استذكار للتاريخ؛ فقد كان تعريفًا بجزء من الذاكرة الوطنية لهذه الأرض.
فالضيف
العربي حين يسمع عن رجال خرجوا من هذه الديار، وعن تضحياتهم ومواقفهم، فإنه لا يتعرف
إلى تاريخ عشيرة فحسب، وإنما يقرأ صفحة من صفحات الأردن من خلال ذاكرة محلية صادقة.
وهنا تتحول
الذاكرة العشائرية من شأن خاص بأبناء العشيرة إلى جزء من الذاكرة الوطنية التي تستحق
أن تُروى للأجيال وللأشقاء العرب.
السياحة…
حين يصبح الضيف سفيرًا للمكان
ومن أبرز
أبعاد الزيارة أنها لم تتوقف عند ديوان العبيدات، وإنما امتدت إلى جولة سياحية وثقافية
شملت عددًا من المواقع الطبيعية والتاريخية في لواء بني كنانة ومحافظة إربد، ومنها
محمية غابات اليرموك، وأم قيس، وأبيلا، وموقع معركة اليرموك.
وهذا يحمل
قيمة كبيرة؛ لأن أفضل وسيلة للتعريف بالمكان هي أن يراه الإنسان بعينيه، وأن يمشي في
طرقاته، وأن يسمع قصته من أهله، ثم يعود إلى بلده حاملًا عنه صورة وذكرى وحكاية.
فالضيف
الذي يشاهد جمال الطبيعة وعبق التاريخ في شمال الأردن يصبح، بصورة طبيعية، ناقلًا لهذه
الصورة إلى محيطه الاجتماعي والمهني.
ومن هنا
يمكن البناء مستقبلًا على مثل هذه الزيارات للتعريف بالسياحة الطبيعية والتاريخية والريفية
في بني كنانة وإربد، وما تزخر به المنطقة من مواقع تستحق مزيدًا من التعريف والتسويق.
الإعلام…
من كفرسوم إلى العالم العربي
من المكاسب
المهمة للزيارة أنها لم تبقَ داخل حدود كفرسوم.
فالصور
والتقارير الإعلامية نقلت مشاهد الاستقبال والوفد والمأدبة والجولات إلى جمهور أوسع،
ورسخت اسم كفرسوم والعبيدات في المشهد الإعلامي باعتبارهما جزءًا من لقاء عربي واسع.
وهنا تظهر
قوة الإعلام عندما يخدم المكان؛ فالصورة التي تُلتقط في كفرسوم يمكن أن تصل إلى عواصم
عربية متعددة، والكلمة التي تُكتب عنها يمكن أن تعرّف بها إنسانًا لم يسمع عنها من
قبل.
وبذلك
تحولت الزيارة إلى نافذة إعلامية للتعريف بكفرسوم والعبيدات وشمال الأردن.
العبيدات
على خارطة الوطن العربي
ومن أعمق
أبعاد هذه الزيارة أنها أسهمت في وضع عشيرة العبيدات وكفرسوم على خارطة التواصل العربي،
فالوفد لم يكن من بلد عربي واحد، وإنما ضم شخصيات من دول عربية متعددة، اجتمعت في بيت
أردني واحد وعلى مائدة واحدة.
وهذه نقطة
بالغة الأهمية؛ لأن العبيدات لم تظهر في هذه المناسبة بوصفها عشيرة أردنية ذات تاريخ
فحسب، وإنما بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا يستطيع أن يكون جسرًا للتواصل والتعارف بين أبناء
الأمة العربية.
لقد تعرف
ضيوف من مشارب وتجارب مختلفة إلى اسم العبيدات، وإلى كفرسوم، وإلى بني كنانة، وإلى
إربد، وإلى الأردن من خلال لقاء مباشر لا تصنعه الكتب ولا الأخبار وحدها.
وهكذا
أصبح اسم العبيدات مرتبطًا في ذاكرة هؤلاء الضيوف بصورة إنسانية حية: ديوان مفتوح،
ووجوه مرحبة، وتاريخ يُروى، ومائدة تجمع العرب، وأرض أردنية تستقبل أشقاءها بمحبة.
الوحدة
العربية… تبدأ من اللقاء
ولعل من
أجمل ما حملته الزيارة أنها جسدت معنى مهمًا من معاني التقارب العربي: أن الوحدة في
الوجدان تبدأ من اللقاء، وأن التعارف يفتح الطريق أمام التفاهم.
فالعرب
الذين اجتمعوا في كفرسوم لم يجتمعوا لأنهم متطابقون في كل شيء، وإنما اجتمعوا حول ما
يجمعهم: اللغة والتاريخ والثقافة والوجدان وروابط الأخوة والإنسانية.
والوحدة
العربية لا تعني بالضرورة أن يتفق الناس على كل التفاصيل، وإنما أن يظل بينهم مجال
للقاء والحوار والاحترام، وأن يدركوا أن مساحات الاشتراك أوسع من مساحات الاختلاف.
ومن هنا
يمكن أن يكون لديوان عشيرة العبيدات دور متنامٍ في تعزيز هذا التواصل، من خلال استضافة
الشخصيات العربية من مختلف المجالات، وفتح مساحات للحوار الثقافي والاجتماعي والإعلامي،
وبناء جسور العلاقات الشعبية بين أبناء الوطن العربي.
فحين يلتقي
الإعلامي بالأديب، والأكاديمي برجل الأعمال، والمرأة العربية بأختها الأردنية، والشخصية
المجتمعية بأخيها من بلد عربي آخر، تتشكل علاقات إنسانية قد تتحول لاحقًا إلى مبادرات
وشراكات ومشاريع تخدم المجتمعات.
فالوحدة
لا تبدأ دائمًا من الاتفاق على كل شيء؛ بل تبدأ من القدرة على اللقاء والاستماع وفهم
الآخر، واكتشاف ما يجمعنا.
البعد
الاجتماعي… الديوان مساحة للإنسان
أثبتت
هذه المناسبة أن الديوان العشائري يمكن أن يكون مساحة رحبة للحوار والتعارف وخدمة المجتمع،
حين تُفتح أبوابه للضيف والمثقف والإعلامي والأكاديمي ورجل الأعمال والشخصية المجتمعية
والمرأة والشباب.
وهذه الصورة
تعزز حضور العشيرة باعتبارها مكوّنًا اجتماعيًا وثقافيًا أصيلًا، يحمل قيم النخوة والشهامة
وإكرام الضيف والتكافل والتواصل.
وهي قيم
يمكن أن تكون رافدًا من روافد المجتمع الوطني، حين تتكامل مع مؤسسات الدولة والمجتمع
المدني وتتحول إلى طاقة إيجابية لخدمة الإنسان والوطن.
البعد
الاقتصادي… الكرم يمكن أن يصبح بوابة للتنمية
لا ينبغي
النظر إلى الزيارة من زاوية معنوية فقط؛ فمثل هذه الفعاليات تفتح أيضًا أبوابًا لفرص
اقتصادية وسياحية مستقبلية.
فالتعريف
بالمنتجات الزراعية والغذائية المحلية، وبزيتون المنطقة وأطعمتها الشعبية، وبالمواقع
السياحية والطبيعية، يمكن أن يسهم في زيادة الاهتمام بالمنطقة وخلق فرص جديدة أمام
أصحاب المشاريع الصغيرة والمنتجين والحرفيين والعاملين في قطاع السياحة والخدمات.
ومن هنا
فإن الضيافة يمكن أن تكون بداية للتنمية إذا أحسنّا البناء على نتائجها، وحولنا العلاقات
التي نشأت خلالها إلى برامج وزيارات وشراكات مستمرة.
البعد
الثقافي والمعرفي
وجود هذه
النخبة المتنوعة من الإعلام والثقافة والأكاديميا والاقتصاد وريادة الأعمال جعل اللقاء
مساحة لتبادل المعرفة والخبرات، وليس مجرد مناسبة للترحيب.
فكل شخصية
حضرت تحمل تجربة مختلفة، وكل تجربة يمكن أن تفتح بابًا جديدًا للتعاون والتعارف.
وقد تكون
بعض ثمار هذه اللقاءات غير ظاهرة في يومها الأول، لكنها تظهر لاحقًا في صورة دعوة جديدة،
أو زيارة متبادلة، أو مشروع ثقافي، أو تعاون إعلامي، أو مبادرة مجتمعية.
وهذا هو
الاستثمار الحقيقي في مثل هذه المناسبات: الاستثمار في الإنسان والعلاقة والثقة.
كفرسوم
تصنع سفراء لها
ربما تكون
من أجمل نتائج الزيارة أن كل ضيف غادر كفرسوم وهو يحمل معه حكاية.
حكاية
عن ديوان العبيدات، وعن كرم أهله، وعن كفرسوم، وعن اليرموك، وعن أم قيس، وعن الأردن،
وعن مائدة جمعت العرب، وعن وجوه أردنية فتحت أبوابها بلا تكلف.
فالإنسان
قد ينسى تفاصيل برنامج سياحي، لكنه نادرًا ما ينسى بيتًا شعر فيه بالترحاب، ومائدة
شعر حولها بالمحبة، وناسًا أحس بينهم أنه ليس غريبًا.
وهؤلاء
الضيوف، بحكم مواقعهم وعلاقاتهم وحضورهم في مجتمعاتهم، يمكن أن يكونوا سفراء طبيعيين
للصورة الجميلة التي شاهدوها في الأردن وكفرسوم والعبيدات.
من مناسبة
ناجحة إلى أثر مستدام
إن القيمة
الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن فقط في نجاحها، وإنما في القدرة على البناء عليها.
فمن الممكن
أن تصبح هذه التجربة بداية لسلسلة من اللقاءات والزيارات العربية، وأن تستضيف كفرسوم
شخصيات عربية جديدة، وأن تُعرّف الوفود بالمواقع السياحية والأثرية، وأن تقام لقاءات
ثقافية وإعلامية، وأن يتم التعريف بالمنتجات المحلية، وأن تستمر العلاقات التي ولدت
في هذا اللقاء.
وعندها
تنتقل المناسبة من حدث جميل إلى أثر مستدام، ومن صورة عابرة إلى علاقة مستمرة، ومن
مأدبة كريمة إلى مشروع تواصل عربي.
رسالة
كفرسوم
في نهاية
المطاف، لم تكن زيارة نحو 150 شخصية عربية إلى كفرسوم مجرد محطة في برنامج وفد.
لقد كانت
رسالة تقول إن الأردن حين يفتح أبوابه يفتح قلبه، وإن العشيرة حين تتمسك بأصالتها تستطيع
أن تكون جسرًا لا جدارًا، وإن الديوان حين يحتضن العرب يمكن أن يتحول إلى مساحة للإنسان
والثقافة والتاريخ والسياحة والتعارف.
وكانت
عشيرة العبيدات أمام مسؤولية جميلة: أن تقدم صورة تليق بتاريخها، وأن تجعل من كرمها
وسيلة للتعريف بمكانها ووطنها، وأن تفتح من خلال علاقاتها أبوابًا جديدة للتواصل العربي.
أما كفرسوم،
فقد ربحت ما هو أبعد من التغطية والصور؛ ربحت أسماء جديدة تعرفها، وقلوبًا تعرفها،
وذكريات ستسافر من ترابها إلى أقطار عربية متعددة.
وأما الأردن،
فقد خرج من هذه المناسبة بصورة تليق به: وطن يفتح أبوابه، ويحفظ تاريخه، ويعتز بأصالته،
ويرحب بأشقائه.
وإذا كان
لكل مكان عنوان، فإن كفرسوم في هذه الزيارة كتبت عنوانها بأجمل ما تملك:
هنا الأردن…
هنا ديار العبيدات… هنا أرض اليرموك… وهنا ضيافة لا تُقدَّم على المائدة وحدها، بل
تُسكب في القلب قبل أن تُسكب في الكأس.
فما أجمل
أن تستقبل قرية أردنية وفدًا يمثل أقطار الوطن العربي، وما أجمل أن يغادر الضيف وهو
يحمل معه صورة عن المكان وأهله، ويقول:
جئنا ضيوفًا
إلى كفرسوم، وعدنا منها أهلًا لها.
وهذه هي القيمة الأعمق للزيارة: أن يتحول بيت عشائري في قرية أردنية إلى ملتقى للعرب، وأن يتحول الكرم إلى رسالة، واللقاء إلى جسر، والتاريخ إلى ذاكرة مشتركة، وكفرسوم إلى نقطة مضيئة على خارطة التواصل العربي.
إ