في القرارات التي تمسّ أمن الدولة ومؤسساتها العسكرية، لا تكفي قراءة المشهد من بعيد، ولا يصح تحويل التزامن بين الأحداث إلى أسباب، أو بناء الاستنتاجات على الظنون. فالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي مؤسسة وطنية راسخة، وقرارات قيادتها شأن أردني سيادي، يقدّر أبعاده القائد الأعلى للقوات المسلحة جلالة الملك عبدالله الثاني، بما يمتلكه من معرفة عميقة بالمؤسسة وخبرة عسكرية تؤهله لقراءة احتياجاتها ومتطلبات المرحلة.
وجلالة الملك يعرف هذه المؤسسة من داخلها، لا من خلال التقارير أو التحليلات؛ فقد عرف الجيش منذ نعومة أظفاره، وخدم في صفوفه، وتدرج في مواقعه العسكرية، وعاش بين ضباطه وأفراده. ولذلك فإن قراره بشأن قيادة القوات المسلحة يستند إلى معرفة مباشرة بطبيعة المؤسسة، وإلى تقدير لمسؤولياتها واحتياجاتها في كل مرحلة.
الملك يعرف جيشه كما يعرف نفسه، ويدرك قدراته واحتياجاته، ويتابع التطورات المحيطة بالأردن وما تفرضه من متطلبات أمنية وعسكرية. ولذلك لا تُقرأ قرارات القيادة من خلال توقيتها وحده، ولا تُربط بحدثٍ واحد، بل تأتي في إطار تقدير شامل لمصلحة الجيش والدولة ومتطلبات المرحلة.
وفي 2 أيلول 2026، انتهت مهمة الفريق الركن يوسف أحمد الحنيطي في رئاسة هيئة الأركان المشتركة، حيث جرى ترفيعه إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد، وفي اليوم نفسه صدر القرار بتعيين العميد الركن مجدي محمد حمد الحراسيس رئيسًا لهيئة الأركان المشتركة وترفيعه إلى رتبة لواء.
الحراسيس يتولى اليوم مسؤولية كبيرة في مؤسسة عسكرية عريقة، وفي مرحلة إقليمية دقيقة تتطلب الجاهزية والانضباط وحسن تقدير الموقف. وهذه المسؤولية لا تبدأ من فراغ، بل تأتي ضمن مؤسسة لها عقيدتها وتسلسلها القيادي وخبرتها المتراكمة، وتعرف كيف تنتقل المسؤولية من قائد إلى آخر دون أن تتأثر مهمتها الأساسية.
وهذا الانتقال جزء أصيل من طبيعة العمل في المؤسسة العسكرية، التي تقوم على تسلسل القيادة واستمرارية المسؤولية وتجديد القيادات عندما ترى القيادة العليا أن متطلبات المرحلة تستدعي ذلك. فالجيش العربي مؤسسة دولة، والقيادات تتعاقب، بينما تستمر المؤسسة في أداء واجبها الوطني.
أما ربط تغيير القيادة بحدث إقليمي أو عسكري لمجرد تقارب التوقيت، فهو استنتاج لا يكفي وحده لإثبات العلاقة بين الأمرين. ومن حق الصحافة أن تسأل، لكن القراءة المهنية تقتضي التفريق بين المعلومة المؤكدة والتحليل، وبين ما يمكن إثباته وما يبقى مجرد افتراض.
الأردن يدير مؤسساته وفق مصالحه الوطنية، ويعرف طبيعة موقعه والتحديات المحيطة به. وفي الشأن العسكري تحديدًا، تبقى القرارات ضمن منظومة القيادة الأردنية، التي تملك المعلومات والتقديرات التي تُبنى عليها مثل هذه القرارات.
إن تعيين اللواء الركن مجدي محمد حمد الحراسيس يأتي في سياق مؤسسي واضح، ويضع أمامه مسؤولية كبيرة في قيادة هيئة الأركان المشتركة ومواصلة مسيرة الجيش العربي في أداء واجبه تجاه الوطن، في ظل ظروف إقليمية تحتاج إلى يقظة دائمة وجاهزية مستمرة.
وفي المحصلة، فإن تغيير قيادة الجيش قرار ملكي أردني، اتخذه جلالة الملك عبدالله الثاني بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفق ما يراه مناسبًا لمصلحة المؤسسة والدولة. أما الجيش العربي، فباقٍ مؤسسة وطنية راسخة، تتجدد قياداته وتستمر رسالته، ويظل ولاؤه للأردن وواجبه حماية الوطن.
حمى الله الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم وولي عهده الأمين.