تتوسد البيئة المدرسية المتكاملة والآمنة الحاضنة الأساسية التي تضمن للنشء نمواً سليماً وصحة نفسية وجسدية متوازنة ، فهي الأساس الذي يُبنى عليه وعي الطالب وانتماؤه لمؤسسته التعليمية . غير أن الواقع المعاش في كثير من المدارس الحكومية بالمملكة الأردنية الهاشمية يصطدم بتحديات جسيمة ومؤلمة تخدش هذا الإطار المشرق ، وفي طليعتها الواقع المتردي لدورات المياه والمرافق الصحية . فهذه المرافق التي يُفترض أن تكون نموذجاً للنظافة والوقاية والكرامة الإنسانية للطلبة ، تحولت في كثير من الأحيان إلى بؤر للإهمال ومصدر دائم للقلق والمعاناة اليومية .
نداء الضمير : ما حرك القلم وأخرج الوجع إلى النور :
الحق يقال ، وما أجبرني وحرّك ما في داخلي لكتابة هذا الموضوع وإبرازه إلى حيز الوجود ، هو تلك الشكاوى المتكررة والمريرة من قِبل أهالي الطلبة عبر المنصات والمنابر الإعلامية على الواقع السيء والمحزن لهذه الحمامات في مدارسنا الحكومية . وأخيراً ، كنت أتابع بقلب مكلوم وباهتمام بالغ عبر أثير أحد أبرز البرامج الإذاعية الأردنية وأكثرها جماهيرية وتأثيراً — وهو " برنامج الوكيل " الذي يديره بحرص ومتابعة حثيثة الإعلامي الأردني الشهير محمد الوكيل — لأسَمَع هول المشكلات والقصص المؤلمة التي تقشعر لها الأبدان ، حيث يستغيث أب لطفل في الصف الأول الأساسي مبتهلاً باكياً لأن طفله يمرض في البيت من شدة ما يتحمله من ألم طوال ساعات الدوام المدرسي امتناعاً عن دخول دورات المياه المتهالكة . هذا النداء الإذاعي الصادق وما رافقه من هموم ومواجع الأهالي المنشورة عبر المنصات والمواقع الإخبارية مثل موقع " الوكيل الإخباري " ووكالة " فكت نيوز " ( FactJo ) هو الذي دفعني دفعاً لأكتب هذه السطور ، عسى أن يجد هذا الصوت صاغياً ومستمعاً واعياً من أصحاب القرار ، وعسى أن يتحرك المعنيون في وزارة التربية والتعليم والجهات ذات الصلة لإعداد خطة جادة لتنظيم هذا العمل ، وتشكيل لجان وفرق ميدانية عاجلة للكشف على واقع هذه الحمامات في كافة المدارس الحكومية ، وايجاد حلول جذرية مستدامة ترتقي بها لتكون مناسبة وآمنة تليق بأبنائنا وبناتنا طلبة المدارس .
صرخات أولياء الأمور وأوجاع الطفولة البريئة :
تتوالى الشكوى تلو الأخرى لتعكس حجماً موجعاً من المعاناة التي يكابدها أطفالنا صبيحة كل يوم دراسي . ولعل ما تفجر عبر التقارير الصحفية والشكاوى الصريحة لأولياء الأمور — مثل ما وثقته التقارير الإعلامية بشأن مدرسة أحمد غنيمة التابعة لمديرية تربية لواء عين الباشا وغيرها من مدارس المملكة التي تعاني الأمرين من تردي النظافة وانعدام أعمال الصيانة — يختصر حكاية ألم يومي ، فعندما يصل الأمر بالطفل البريء إلى حبس حاجته طوال الدوام خوفاً من القذارة والروائح الكريهة ، فإننا أمام مشهد إنساني وتربوي مقلق لا يُمكِن السكوت عنه أو تبريره ، وهو ما يهدد صحته الجسدية والنفسية ويجعله ينفر من بيئته المدرسية .
البعد الإنساني والصحي : عندما يفقد المكان أدنى معايير الكرامة :
إن الحديث عن واقع الحمامات في المدارس لا يقتصر على كونه شكوى إدارية عابرة أو ملاحظة خدمية بسيطة ، بل يلامس الجوهر الإنساني والصحي للطفل والطالب المراهق الذي يقضي ساعات طويلة داخل أسوار المدرسة . فالواقع المتمثل في تهالك البنية التحتية ، وانقطاع المياه المستمر ، وتكسير المغاسل والصنابير ، وغياب مواد التنظيف والتعقيم ، فضلاً عن انعدام التهوية المناسبة ، يخلق بيئة طاردة وخطيرة تهدد صحة الطلبة بالدرجة الأولى وتتسبب في نقل الأمراض والأوبئة التي تؤكد الدراسات الحقوقية والصحية ارتباطها المباشر بتراجع التحصيل الأكاديمي وزيادة معدلات التغيب .
المواصفات النموذجية والمعايير الهندسية : كيف يُفترض أن يكون الحمام المدرسي العصري والآمن ؟
لإنصاف أبنائنا وتوفير بيئة صحية سليمة تليق بحقهم الإنساني والتعليمي ، ينبغي أن نستند إلى الأسس الهندسية والمعايير المعمارية والبيئية المعتمدة في تصميم المرافق الصحية العامة والمدرسية لضمان الاستخدام الفعال والمستدام :
1 ) التخطيط الاستراتيجي والموقع المناسب : أن يكون الحمام في موقع قريب بما يكفي للوصول السريع للطلبة ، لكنه بعيد نسبياً عن قاعات الفصول الدراسية لمنع انتشار الروائح ومضايقة الغرف الصفية .
2 ) الاستيعاب والعدد الكافي : وفقاً للمعايير الهندسية المنظمة للأماكن ذات الكثافة العالية ، يجب توفير أعداد كافية من الحمامات والمغاسل تتناسب طردياً مع أعداد الطلبة ( بمعدل حمام واحد لكل 40 طالباً ، وحمام لكل 30 طالبة تقريباً ) لتقليل الاكتظاظ وطوابير الانتظار الطويلة .
3 ) الأرضيات والجدران الصحية والمقاومة للانزلاق : استخدام بلاط مانع للانزلاق للأرضيات مع تصميمها بميول كافية ( 1 إلى 2% ) لتسهيل التصريف والشطف المستمر ، وتبليط الجدران والأرضيات بالسيراميك أو البورسلين المقاوم للماء وغير المسامي لمنع تراكم البكتيريا وسهولة التعقيم .
4 ) التهوية الميكانيكية والطبيعية الفعالة : توفير تهوية طبيعية عبر نوافذ مناسبة ، أو تهوية صناعية وميكانيكية قوية ( عبر مراوح شفط متصلة بقناة خارجية فعالة ) لتجديد الهواء المستمر وتقليل الرطوبة والروائح الكريهة .
5 ) الإضاءة الساطعة والمقاومة للرطوبة : توفير إضاءة كافية وموزعة بانتظام ( لا تقل عن المستويات المعيارية المقررة للمرافق العامة ) باستخدام وحدات إضاءة مقاومة للرطوبة لضمان بيئة آمنة ونظيفة .
6 ) الخصوصية والأمان المنضبط : وجود أبواب متينة وعازلة للصوت قابلة للإغلاق من الداخل ومزودة بأقفال محكمة ، مع تصميم الفواصل والأبواب بارتفاعات مدروسة تضمن الخصوصية التامة للطلبة وتتيح في الوقت ذاته إشرافاً تربوياً كافياً من الخارج لمنع أي سلوكيات سلبية أو تخريبية .
7 ) البنية الهيدروليكية والصيانة المستدامة : اعتماد أقطار مناسبة لأنابيب الصرف والتغذية لضمان تدفق المياه