في خضم التصعيد المتواصل في المنطقة، يجد الأردن نفسه مرة أخرى أمام تحديات لا يصنعها، وأزمات لا يختارها، لكنه يدفع كلفتها بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، وبحكم حرصه الدائم على حماية أمنه واستقراره وسيادته.
وتأتي محاولات إيران استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي في الأردن لتطرح سؤالاً مشروعاً أمام الرأي العام الأردني: ما ذنب الأردن في صراع ليس طرفاً فيه؟
الأردن دولة ذات سيادة، وله علاقاته الدولية ومصالحه مع معظم دول العالم، ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، ولا جاءت نتيجة ظرف سياسي عابر، وإنما فرضتها طبيعة المصالح الأردنية والاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن الموقع الجيوسياسي للأردن في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
إن الأردن، في ظل محدودية موارده، لا يملك ترف الانعزال عن محيطه أو عن المجتمع الدولي، ولذلك كان من الطبيعي أن يبني علاقات وشراكات مع مختلف الدول، بما يخدم مصالحه الوطنية ويحافظ على أمنه واستقراره.
لكن وجود علاقات أو تعاون بين الأردن والولايات المتحدة لا يمنح أي دولة أخرى الحق في انتهاك الأجواء الأردنية أو تعريض أراضيه ومواطنيه للخطر.
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة، فلماذا يتحول الأردن إلى ساحة لتصفية الحسابات؟
لماذا يدفع الأردن ثمن مواجهة لا تخصه؟
إذا كانت إيران ترفع شعاراتها المعروفة ضد الولايات المتحدة، فمن المنطقي أن يكون الصراع موجهاً إلى الطرف الذي تعلن إيران أنها تواجهه، لا إلى دولة عربية مجاورة لم تعلن الحرب عليها، ولم تكن طرفاً في الصراع.
الأردن من حقه، بل من واجبه، أن يحمي سماءه وأرضه ومواطنيه، وأن يتصدى لأي صاروخ أو طائرة مسيّرة تدخل أجواءه أو تهدد أمنه. فالسيادة الوطنية ليست موقفاً سياسياً قابلاً للمساومة، وإنما حق أصيل للدولة وواجب عليها تجاه شعبها.
والأردنيون لا يريدون الحرب، ولا يسعون إلى الدخول في صراعات الآخرين، لكنهم في الوقت ذاته لن يقبلوا أن تتحول بلادهم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
لقد حاولت إيران، على مدى سنوات طويلة، بناء نفوذ واسع في المنطقة، مستخدمة أدوات متعددة سياسية ودينية واقتصادية وأمنية. ولم تكن محاولات التمدد الإقليمي بعيدة عن الأردن، الذي بقي بحكم موقعه الجغرافي والسياسي هدفاً لمشاريع النفوذ المختلفة.
لكن الأردن أثبت عبر تاريخه أنه قادر على حماية هويته الوطنية وتماسكه الداخلي، رغم كل ما مر به من أزمات وتحديات.
فمنذ تأسيس الدولة الأردنية، لم تكن الطريق سهلة. واجه الأردن حروباً وأزمات اقتصادية وضغوطاً سياسية وأمنية،