المقال ينتقد ظاهرة حبّ الظهور المفتعل في المناسبات الاجتماعية، حيث يتحول الحضور إلى استعراض أمام الكاميرات وشركات التصوير، وتُقاس وجاهة الأشخاص بعدد اللقطات والشيلات المصاحبة لهم لا بقيمة حضورهم أو أثرهم الحقيقي. يوضح الكاتب كيف تطورت هذه الممارسات إلى "تجارة مقنّعة" بالوجاهة الزائفة، حتى بات بعض المدعوين يشترطون وجود التصوير والمنصات الناشرة قبل قبول الحضور. وينتهي الطرح بسؤال جوهري: هل أصبحنا نبحث عن وهم التقدير عبر الشاشات على حساب الهيبة وصدق المشاعر الحقيقية؟
الكلمات المفتاحية
التصوير المفتعل
المناسبات الاجتماعية
حب الظهور
السوشيال ميديا
صورني وأنا مدري
الوجاهة الرقمية
ثقافة الاستعراض
توثيق المناسبات
الإعلام الجديد
السلوك الاجتماعي
كنت أعتقد في مخيلتي، ووفق مفهومي البسيط، أن حب الظهور يقتصر على بعض مشاهير "السوشيال ميديا" الذين لا يهمهم المحتوى بقدر إثبات الوجود والبحث عن المشاهدات. والبعض منهم -إنصافاً- يقدم ما يستحق المتابعة ولا نهضم حقه، وهناك من يصور بغرض توثيق الذكريات بين الأهل والأصدقاء، أو يطلّ بظهور مقنن يطرح فيه وجهة نظره. وسأتجاوز هنا صورنا بالوثائق الرسمية احتراماً لمشاعر البعض منا.
لكن المؤرق هو ما ظهر مؤخراً من ظاهرة التصوير المفتعل خلال المناسبات بكافة أنواعها؛ من تخرج، وزواج، وتمائم، وترقيات، وافتتاح مجالس، وقص شريط للمحلات، وحتى المشاركة في العزاء! إذ تجد أشخاصاً بأعينهم يحضرونها كافة. ومن هنا تنطلق التساؤلات: من أين يجدون كل هذا الوقت لحضور هذا الكم الهائل من المناسبات بمختلف المناطق؟ ولماذا تكون الكاميرات دائماً في استقبالهم وتوديعهم، ترافقهم ذات العبارات الرنانة مثل: "الشهم، وراعي المواقف، صاحب الأعمال والأفعال، والصنديد، والمغوار"؟!
الأعجب من ذلك، كيف أصبح مصورو المناسبات يصطادون أمزجة هؤلاء باختيار "الشيلات" والأغاني المواكبة لحسهم الفني الرفيع؟ ولماذا لقطاتهم موحدة دائماً؟ فلديهم أسلوب بروتوكولي خاص عند النزول من السيارة وأثناء مرور البخور، وكيفية التلويح بالأيدي يمنة ويسرة، وطريقة التقاط فنجان القهوة باليد الكريمة، ليظهر الخاتم "صدفة" من بين كل الناس!
إن البعض منهم بات يسأل "المعزب" قبل أن يتعهد بالحضور: هل يوجد تصوير للمناسبة؟ ومن سينشرها؟ وما هي المنصة؟ فالرجل لديه جدول مزدحم ولا يريد حضوراً عادياً باهتاً؛ لأن مصدر سعادته يتجلى عندما ينظر للمصور -الذي يحفظ رقم حسابه البنكي عن ظهر قلب- ويومئ له لينفذ تلك الترنيمة الشهيرة: "صورني وأنا مدري".
هذه الهواية المصطنعة تجاوزت حدود العفوية لتصبح تجارة مقنّعة بالوجاهة المزيفة، حيث يُقاس حضور الإنسان بعدد الكاميرات التي تلاحقه لا بقيمة الأثر الذي يتركه.
وفي زمن باتت فيه اللقطة أهم من الحدث، والظهور المفتعل مقدماً على صدق المشاعر.
بالتأكيد سيقول أحدهم: "هذا دليل تواصلهم ومحبة الناس لهم، والتواصل صفة محمودة، وإذا دُعيتم فاستجيبوا، ولا ينبغي الانكفاء عن المناسبات". وهذا أمر لا نقاش فيه، ولكن النقطة الأساسية هي هذا الحرص المبالغ فيه، وتكرار اللقطات والعبارات المصنوعة والمصاحبة لهذا الحضور.
ويظل التساؤل قائماً: هل نبحث حقاً عن تقدير الآخرين، أم أننا بتنا أسرى لشاشات هواتفنا، ندفع الثمن من هيبتنا لنشتري وهماً يحمل شعار: "صورني وأنا مدري".