الدويري الذي غاب عن المشهد ....حين يلتفت المرء إلى تفاصيل الصباحات الأولى، ومع نداء أذان الفجر كل يوم، يمتلئ القلب بوجع الذاكرة وشجن الأيام الخوالي، يكتشف أن شيئا عذبا ومألوفا ينسحب ببطء وهدوء من تفاصيل المكان.... طائر "الدويري"، ذلك الجار الصغير الذي طالما شاركنا خبزنا، وطرقاتنا، وحدائقنا، وحقولنا، وشرفات بيوتنا بندائه العفوي وبهجته البريئة، بات اليوم غيابه يطرق باب الأسئلة، وصار ظهوره في بعض أحيائنا أقرب إلى الصدفة العابرة.
إنه تراجع لرمزية محببة طالما رافقت وجداننا، لنقف أمام تساؤل موجع: أين ذهب الدويري؟ وكيف استطاعت متغيرات الحياة أن تخطف منا هذا الأليف المألوف؟
كان الدويري نسمة حياة ترفرف في سماء المدن والقرى الأردنية، وجزءا لا يتجزأ من هوية المكان ودفء الذاكرة الشعبية .... غير أن هذا المشهد العريق بدأ يتصدع تدريجيا مع زحف متغيرات بيئية وعمرانية كبرى، لعل أبرزها ظهور ضيف مشاكس بات يفرض حضوره بقوة في بيئتنا المحلية، وهو طائر "المينا"، هذا الطائر الذي لاحظ المواطنون بدايات انتشار زحفه وتمدده في مناطق مختلفة بالتزامن مع السنوات الأخيرة..... وقد أظهر هذا الوافد قدرة كبيرة على التكيف مع مختلف البيئات الحضرية والزراعية التي يصنعها النشاط البشري، مستفيدا من مصادر الغذاء والماء المتاحة، ليدخل في تنافس مع طيورنا المحلية.
اليوم تشير الدراسات العلمية إلى أن طائر المينا يمتلك سلوكا تنافسيا يمتد إلى الاستيلاء على الأعشاش ومواقع التعشيش، والسيطرة على الموارد التي تتغذا عليها الطيور المحلية.
وحين يتساءل المواطنون بفضول قلق... ما حقيقة وجود المينا وسلوكياته؟ تأتي الأبحاث لتشير إلى أن وجوده قد يرتبط بتراجع فرص تكاثر بعض الطيور المحلية، وسط تغير واضح في استخدام مواقع التعشيش، خصوصا عندما يحتل الطائر الوافد المساحات التي اعتادت الأنواع الأخرى استخدامها.
لكن الإنصاف الموضوعي والقراءة البيئية الواعية يفرضان ألا نعلق وزر هذه الأزمة بأكملها على شماعة طائر "المينا" وحده.
هناك حزمة من العوامل البيئية الصامتة التي تؤثر في طيورنا، يتقدمها التوسع العمراني الزاحف الذي ابتلع المساحات الخضراء، وتجريف الأراضي، والتغيرات في مصادر الغذاء، فضلا عن الاستخدام المفرط والعشوائي للمبيدات.... كل ذلك أدى إلى تغير العوامل الطبيعية للدويري وأضعف فرصه في البقاء، مما يجعل الحاجة اليوم ملحة إلى إنشاء رصد وطني شامل يقيس حجم هذا التراجع بدقة، ويحدد أسبابه الحقيقية بعيدا عن الاجتهادات الفردية....
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهنا جميعا... هل نستطيع إعادة الدويري إلى سماء الأردن بوسائل طبيعية ذكية، تكفل له بيئة آمنة للتكاثر، وتحافظ في الوقت ذاته على التوازن البيئي؟
وتبقى الإجابة في هذا للجهات البيئية المعنية ولأصحاب الاختصاص، لتحديد أسباب تراجع الدويري، ودراسة الوسائل الممكنة لإعادة توفير بيئة آمنة لتكاثره، بما يحافظ على الطيور المحلية ويصون التوازن البيئي، بعيدا عن أي تدخل عشوائي قد يضر بأحد مكونات البيئة.
إن قضية الدويري أبعد من كونها ملاحظة عابرة حول طائر غادر شرفتنا... فالطيور كانت دائما مرآة صادقة لحالة الطبيعة وسلامة البيئة حولنا، وتراجعها إشارة تستحق الانتباه إلى التحولات التي طرأت على البيئة.
طائر الدويري كان وما زال حكاية من حكايات الوطن الجميل، وذاكرة حية تنبض بها شرفاتنا وبيوتنا ... وحين يغيب هذا الصديق، فإننا نفقد طائرا، ونفقد شيئا من روح المكان وبساطته الأولى....
فهل نتحرك قبل فوات الأوان، لنرد للطبيعة شيئا من توازنها، ونعيد للدويري مكانه المألوف في سماء الأردن؟