في عالم تتسابق فيه ملايين البيانات والرسائل الرقمية العابرة للقارات ، لا تبدو المعركة اليوم معركة شح أو ندرة في المعرفة ، بل هي معركة وجود حقيقية تتعلق بـ " نقاء " الحقيقة ذاتها ، فمع اتساع رقعة الفضاء الرقمي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الإلكترونية ، تتوالى أمواج المعلومات الخاطئة والمضللة لتغرق المجتمعات في ضباب كثيف من الشك والاضطراب ، مما يجعل مجرد الحصول على خبر موثوق في الوقت المناسب تحدياً مصيرياً يهدد استقرار القرار الإنساني بأسره .
من هنا ، يأتي الاحتفاء باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) والجمعية العامة للأمم المتحدة ليطرح على بساط البحث قضية بالغة الحساسية تتمثل في حق الإنسان الأصيل في التماس المعلومات وتلقيها وإذاعتها ، فهذا الحدث العالمي الذي يتجدد في الثامن والعشرين من أيلول من كل عام يمثل محطة سنوية راسخة للترويج للشفافية ومساءلة المؤسسات ، مستنداً إلى الجذور التاريخية والجهود الدولية المستمرة لترسيخ حق النفاذ إلى المعلومات بوصفه ركيزة أساسية للديمقراطية والتنمية المستدامة .
قراءة في مشهد البدايات والتطور الحقوقي :
تعكس هذه التطورات التشريعية والرقمية المتسارعة النواة الحقيقية لمسيرة الوعي الإنساني المعاصر ، حيث يبرز بوضوح أن حق الانتفاع بالمعلومات ليس ترفاً فكرياً ولا بنداً عابراً في رفوف التشريعات ، بل هو الركن الركين لحرية التعبير والعمود الفقري لحرية الصحافة ، فالمواطن الذي يُحجب عنه النور الدقيق للحقائق ، ويُترك رهينة للخوارزميات الموجهة وشائعات المنصات ، يفقد قدرته الفطرية على اتخاذ القرارات المدروسة ، ناهيك عن عجزه البات عن المساءلة الديمقراطية ومحاسبة الإدارات والسياسات ، ومن هنا تتجسد الحكمة الخالدة القائلة بأن المعلومة هي القوة الأوحد لصياغة مجتمعات معرفية سليمة وجامعة قادرة على حراسة مكتسباتها الحضارية والتراثية من ريح التزييف .
جوهر الانتفاع بالمعلومة وقيمة الثقافة المجتمعية :
إن الانتفاع بالمعلومة الصحيحة لا يقتصر على كونها مادة عابرة للاستهلاك الفكري ، بل تتجلى أهميتها البالغة في كونها الدرع الواقي للتحليل السليم والارتقاء بجودة الحياة الفردية والجماعية ، فالانتقال من حالة التلقي السلبي إلى فضاء الاستنارة والمعرفة يمنح الإنسان قدرة حقيقية على فهم محيطه ، والمشاركة بفاعلية في صنع القرار المجتمعي الواعي ، وحين يتحلى الفرد بالثقافة الرصينة والوعي العميق في مجتمعه ، فإنه يتحول إلى ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار والتنوير ، قادراً على تفكيك الأزمات ، ومحاربة الجهل والشائعات ، وتوجيه الطاقات المجتمعية نحو البناء والإنتاج الحضاري ، فالثقافة المجتمعية المستندة إلى حق المعرفة هي المقياس الحقيقي لتقدم الأمم ووعي شعوبها .
سجل المتابعة ورصد الفوائد والمخاطر :
وعلى الصعيد المؤسسي والدولي ، لا تتوقف الجهود عند سن القوانين الورقية للحق في المعرفة ، بل تتجاوزها إلى آليات رصد الفوائد والمخاطر التي تقودها اليونسكو بصفتها وكالة الأمم المتحدة الراعية للمؤشر ( 16.10.2 ) من أهداف التنمية المستدامة ، فالتجارب والمسوح الدولية تثبت يوماً بعد يوم أن مدى فاعلية القوانين الوطنية واختبارات التحمّل الميدانية تعكس مدى التزام الدول بضمانات إتاحة البيانات أمام الجمهور ، رصداً وشفافيةً وتطبيقاً عملياً في مواجهة الفجوة بين النص والممارسة ، لضمان وصول الباحثين والمفكرين إلى مصادر المعرفة بلا عوائق ، وفي هذا السياق ، يبرز رصد الفوائد والمخاطر المرتبطة بتداول البيانات الرقمية كضرورة حتمية لتعظيم العوائد التنموية ودعم الشفافية المؤسسية ، مع تحييد المخاطر المتمثلة في تدفق المعلومات المضللة واختراق الخصوصية ، لضمان بيئة آمنة وموثوقة لتعميم المعرفة .
دور الأردن الرسمي والمؤسسي والفردي في تعميم الانتفاع بالمعلومات :
الدور الحكومي والتشريعي : يُعد الأردن سباقاً في إقرار التشريعات الناظمة للحق في الحصول على المعلومات ، حيث تجسد ذلك بصدور قانون ضمان حق الحصول على المعلومات وتطوير منصات الحكومة الإلكترونية والشفافية الوطنية ، مما يتيح للمواطنين والباحثين الاطلاع على البيانات الرسمية ودعم الإفصاح الاستباقي لمؤسسات الدولة .
الدور المؤسسي والأكاديمي : تضطلع المؤسسات الوطنية والجامعات ومراكز البحث العلمي في المملكة بدور حيوي في إبراز أهمية هذا اليوم من خلال عقد الندوات ، وورش العمل ، وتفعيل برامج الدراية الإعلامية والمعلوماتية للتصدي لشائعات الفضاء الرقمي .
الدور الفردي والمجتمعي : يبرز إسهام الأفراد من صحفيين ، وباحثين ، ومعلمين ، ومُدونين أردنيين في حراسة الوعي المجتمعي ، ونشر الثقافة الرقمية السليمة ، وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الويب لنقل الحقيقة بموضوعية وإبطال مفاعيل التضليل .
مسؤولية المؤسسات والأفراد في إبراز اليوم وتأكيد أهمية الحصول على المعلومات :
دور المؤسسات الثقافية والإعلامية : تقع على عاتق المنابر الصحفية ، ودور النشر ، والمكتبات الوطنية مسؤولية كبرى في تسليط الضوء على هذا اليوم من خلال إنتاج ملفات صحفية ، وبرامج توعوية ، ومقالات تحليلية تكرس ثقافة الشفافية وتسلط الضوء على آليات الولوج إلى المصادر الرسمية ، محاربةً بذلك ثقافة السطحية والتسطيح المعرفي .
دور المؤسسات التربوية والتعليمية : تمثل المدارس والجامعات الحاضنة الأولى لبناء العقل النقدي ، ويتحقق دورها هنا عبر إدماج مفاهيم الدراية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج والأنشطة اللامنهجية ، وتدريب الطلبة على كيفية التحقق من مصادر المعلومات ، وإبراز قيمة هذا اليوم الأممي لغرس أجيال تؤمن بالمعرفة الموثوقة .
دور الأفراد والباحثين : يتحمل كل فرد واعٍ مسؤولية أخلاقية وفكرية تتمثل في عدم تداول الأخبار المضللة ، وممارسة حقهم القانوني والمجتمعي في