الإرهاب يطلّ برأسه على بلدنا من جديد، لا خجلاً ولا خوفاً، بل جرأةً استمدها من تراخٍ طال، ومن تهاونٍ لم يعد مقبولاً، ومن ثغراتٍ ما زالت مفتوحة رغم كل الدم الذي سال.
في حمود، دفعنا ثمناً غالياً. تسعة شهداء سقطوا وهم يشيّعون موتاهم، وفي عمّان سقط رجل أمن وهو يؤدي واجبه. أرواح ليست أرقاماً في بيان، وليست خبراً عابراً في نشرة أخبار، بل بيوت انطفأ نورها، وأمهات ثكالى، وآباء مكسورون، وأطفال سيكبرون وهم يسألون: من حمى آباءنا؟ ولماذا لم يُمنع القاتل قبل أن يقتل؟
لهذا نقولها اليوم بصوت عالٍ، وبصوت كل الأردنيين: يا معالي وزير الداخلية، ويا عطوفة مدير الأمن العام، بيكفي استهتار بأرواح الأردنيين.
الاستهتار ليس فقط في وقوع الجريمة، بل في تكرارها، وفي غياب المراقبة والمتابعة، وفي ترك من يحمل فكراً تكفيرياً يتجول في مدننا وأحيائنا وكأن شيئاً لم يكن، حتى يفاجئنا بسكينه أو برصاصه.
لقد كانت توجيهات جلالة الملك حازمة وحاسمة، لا تحتمل التأويل ولا التخفيف. الملك قالها بوضوح: لا مكان لإرهابي في أسرتنا الأردنية، ولن يفلت الإرهابيون من العقاب، ولن يفلت أي صاحب فكر يفرّق بين الأردني والأردني.
توجيهات الملك ليست نصيحة، وليست رأياً، بل هي أمر سيادي، ومن لا ينفذها فهو مقصّر، ومن يتهاون في تنفيذها فهو شريك في النتيجة.
ولا حصانة لمسؤول ، لا حصانة لمنصب، ولا حصانة لاسم، ولا حصانة لرتبة. المسؤولية أمانة، ومن عجز عن حملها فليتركها. المسؤول المقصّر يروح، والمسؤول المتخاذل يروح، والمسؤول الذي يكتفي بالبيانات بعد كل كارثة يروح.
نحن لا نطالب بالانتقام، ولا نطالب بالفوضى، نحن نطالب بالمحاسبة ، نطالب بتقييم أمني حقيقي يكشف أين الخلل، ومن أهمل، ومن قصّر، ومن سمح، ومن كفّل، ومن غضّ الطرف. نطالب بإقالة كل من ثبت تقصيره، لا تدويره من منصب إلى منصب، ولا مكافأته بموقع آخر.
الأردن أكبر من كل المناصب، ودم الأردني أغلى من كل الكراسي، وهيبة الدولة لا تُصان بالشعارات بل بالقرار الشجاع، وبمحاسبة المقصّر أمام الناس، وبمنع الجريمة قبل وقوعها لا البكاء عليها بعد وقوعها.
لقد صبر الأردنيون كثيراً، وتحملوا كثيراً، ووقفوا خلف قيادتهم في كل الشدائد، لكن صبرهم على الفشل نفد، وصبر الملك نفسه نفد.
الآن، إما أن نرى محاسبة حقيقية تليق بدم الشهداء، وإما أن يعلم الجميع أن الإرهاب سيطلّ برأسه مرة أخرى، لا قدّر الله.
رحم الله شهداء حمود، وشهيد الأمن العام جواد السلايطه ، وحمى الله الأردن وقيادته الهاشمية.