بقلم: اللواء الركن المتقاعد الدكتور محمد خليل بني يونس
لم يكن الأردن يوماً منحةً من أحد، ولا هبةً سياسيةً تُمنح، ولا صفقةً تُعقد في سوق المصالح والمناصب. الأردن وطنٌ صاغته التضحيات، وثبّتت أركانه دماء الشهداء، وحمته سواعد الرجال، وصانته حكمة القيادة وصبر شعبٍ لم تنحنِ هامته أمام العواصف. ومن يظن أن هذا الوطن يُمتلك بخطابٍ عابر، أو يُختزل بشعارٍ في مهرجان، أو يُساوَم عليه في بازار المصالح، إنما يجهل تاريخ الأردن، ولا يعرف حقيقة الأردنيين ولا معدنهم الأصيل.
إن حكاية الأردن لم تبدأ من فراغ، ولم تُكتب على هامش التاريخ؛ فقد حملت الثورة العربية الكبرى رسالة النهضة والكرامة والتحرر، وجاء تأسيس الدولة الأردنية ثمرةً لتضحياتٍ وتراكمٍ تاريخي، تضافرت فيه إرادة القيادة الهاشمية مع عزيمة الأردنيين وإخلاصهم. ومن عهد المؤسس الملك عبدالله الأول، مروراً بالملك طلال، والملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ظلّ الأردن يمضي في مسيرة الدولة، مستنداً إلى شرعية تاريخه، ومؤسسات دستورية، وجيشٍ عربيٍّ أصيل، وشعبٍ يعرف معنى الانتماء ومسؤولية الحفاظ على الوطن.
ولم تكن العلاقة بين العرش والشعب والجيش يوماً مجرد شعارات تُرفع، بل كانت، عبر محطات التاريخ، علاقةً تشكّلت في ميادين التضحية ومواقف الشدّة، واختُبرت في أصعب الظروف. كما ظلّ الموقف الأردني تجاه القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، في إطار الوصاية الهاشمية، عنواناً ثابتاً من عناوين المسؤولية التاريخية والدينية والوطنية.
وفي سجل المجد الأردني، يقف الجندي العربي المصطفوي شامخاً، لا بوصفه حارساً للحدود فحسب، بل بوصفه شاهداً على تاريخ وطنٍ لم يبخل برجاله حين نادت الواجبات. هو ابن الكرك ومعان وإربد والسلط والطفيلة والعقبة ومادبا وعجلون وجرش والمفرق والزرقاء وعمان، وابن كل قريةٍ ومدينةٍ ومخيمٍ وباديةٍ على امتداد هذا الثرى الطهور.
هناك، في باب الواد واللطرون، وفي القدس واللد والرملة وجنين وجبل المكبر، سطّر الجندي الأردني صفحاتٍ من البطولة والتضحية، ثم جاءت معركة الكرامة الخالدة لتؤكد أن الإرادة حين تتسلح بالإيمان بالوطن، تصبح أقوى من حسابات القوة والغرور. لم يكن أولئك الرجال يبحثون عن أضواء المنابر، ولا ينتظرون تصفيق الجماهير؛ كان همّهم أن يبقى العلم مرفوعاً، وأن تظل الأرض مصونة، وأن ينام الأردني مطمئناً لأن هناك عيوناً لا تنام، وصدوراً لا تتراجع أمام الخطر.
وقبل أن نتحدث عن بندقية الجندي، لا يجوز أن نغفل قلم المعلم؛ ذلك الجندي المجهول في معركة بناء الإنسان. فالمعلم الأردني لم يكن موظفاً يؤدي ساعات الدوام، بل كان صانع أجيال، وحارس وعي، ومؤسس نهضة. حمل رسالته إلى القرى والبوادي والمخيمات والمدن، وأشعل قناديل المعرفة في مدارس متواضعة، خرجت منها أجيالٌ أصبحت أطباء ومهندسين وضباطاً وعلماء وقادةً في شتى ميادين الحياة.
من هنا نفهم معادلة الأردن: معلمٌ يبني العقل، وجنديٌّ يحمي الأرض، ومواطنٌ يصون الهوية، وقيادةٌ تتحمل مسؤولية الدولة. فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا تُحمى بالخطب وحدها؛ إنما تُصان بالعلم والوعي والانضباط والعدالة والعمل والإخلاص.
أما الذين يتعاملون مع الوطن باعتباره سلّماً لمصالحهم، أو منبراً لتصفية الحسابات، أو وسيلةً لتحقيق مكاسب شخصية، فعليهم أن يدركوا أن الأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأرسخ من كل موجة ضجيج عابرة. لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا يحق لأحد أن ينصّب نفسه وصياً على الأردنيين، أو أن يختزل تاريخهم وتضحياتهم في مصلحة ضيقة أو خطابٍ موسمي.
فالاختلاف في الرأي حق، والنقد المسؤول ضرورة، والمطالبة بالإصلاح واجبٌ وطني حين تستند إلى الحجة والموضوعية؛ لكن تحويل الخلاف إلى إساءة للوطن، أو اتخاذ الشعارات ستاراً للمزايدات، أو المتاجرة بتاريخ الأردنيين وتضحياتهم، أمرٌ لا يخدم الدولة ولا يحترم وعي شعبها.
الأردن ليس أرضاً مستباحة للمساومات، ولا إرثاً خاصاً لفئةٍ دون أخرى، ولا ثمرةً يقطفها من لم يشارك في غرس شجرتها. هو أمانةٌ في أعناق الأردنيين جميعاً، وحقٌّ للأجيال القادمة، ومسؤوليةٌ لا تسقط بالتقادم. ومن حق هذا الوطن على أبنائه أن يحموه من العبث، وأن يصونوا مؤسساته، وأن يختلفوا دون أن يتنازعوا على ثوابته، وأن يتنافسوا في خدمته لا في استثماره.
إننا لا نريد وطناً تُكمّم فيه الأفواه، ولا مجتمعاً يُدار بالمجاملات، بل نريد أردناً قوياً بدولته، متماسكاً بشعبه، راسخاً بمؤسساته، عادلاً في فرصه، عزيزاً بكرامة مواطنيه. فحب الوطن لا يعني تعطيل النقد، والوفاء لا يعني الصمت عن الخلل؛ بل إن أصدق صور الانتماء أن نكون حريصين على إصلاحه، أوفياء لتاريخه، أمناء على مستقبله.
وسيبقى عهدنا أن نسلّم أبناءنا وطناً مرفوع الهامة، محفوظ الكرامة، عصيّاً على المساومة والارتهان. نقف خلف مؤسسات دولتنا الدستورية، ونعتز بقيادتنا الهاشمية، ونحترم جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، ونؤمن بأن قوة الأردن الحقيقية تكمن في تماسك أبنائه، ووحدة صفهم، ووعيهم بأن اختلافهم لا يجوز أن يكون مدخلاً للنيل من وطنهم.
الأردن ليس شعاراً يُرفع عند الحاجة، ولا اسماً يُستثمر عند المصالح؛ الأردن تاريخٌ من التضحية، ورايةٌ من الكرامة، وعهدٌ لا ينكسر.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً ومؤسسات، وحمى جيشنا العربي المصطفوي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والعزة والكرامة.
عاش الأردن حراً عزيزاً، عصيّاً على البيع، شامخاً على مرّ الزمان