في زمن تنتقل فيه المعلومة بضغطة زر، لم يعد الخطر على الوطن يأتي من الحدود وحدها. قد يبدأ من منشور مضلل، أو إشاعة تُنقل دون تحقق، أو خطاب كراهية يتخفى وراء شاشة. ومن هنا يتغير معنى أمن الوطن: لم يعد شأناً تحمله الأجهزة الأمنية وحدها، بل صار مسؤولية يشترك فيها كل مواطن.
الوطن الآمن هو الذي يطمئن فيه الإنسان على حياته وبيته ورزقه وكرامته. فأمن الدولة يقوم على أمن الفرد، وأمن الفرد لا يتحقق بلا عدالة وقانون يسري على الجميع. وحين يثق الناس بمؤسساتهم، يصبح الوطن أصلب في وجه أي تهديد
المساس بأمن الوطن لا يقتصر على العنف والإرهاب، مع أنهما أخطر صوره. فهناك التجسس وتسريب ما يضر بمصالح البلاد، وإثارة النعرات الطائفية والمناطقية التي تمزق النسيج الاجتماعي، والفساد الذي ينهش ثقة الناس بدولتهم ببطء. وهناك الجرائم الإلكترونية التي تستهدف الأنظمة والبيانات، وتجارة المخدرات والسلاح التي تدمر الشباب وتُضعف هيبة القانون. وأخطر ما في الأمر أن بعض هذه الأفعال يبدو صغيراً في لحظته، لكن أثره يتراكم حتى يهز استقرار المجتمع
الحرية والأمن ليسا خصمين
يخطئ من يظن أن حماية الأمن تعني تضييق الحريات. فالنقد البنّاء والرأي المخالف الذي يهدف إلى الإصلاح جزء من قوة الأوطان، وهو يختلف جوهرياً عن التحريض والتخريب وتهديد سلامة الناس. وقوة الدولة تظهر حين تحمي الحق في التعبير وتحاسب على الأذى الحقيقي بالقانون وحده
أمن الوطن ليس شعاراً نردده في المناسبات، بل التزام يومي يظهر في سلوكنا وكلماتنا. ومن يعبث به لا يضر غيره فقط، بل يهدم البيت الذي يسكنه. فلنحرص على وطننا كما نحرص على بيوتنا، لأن أمنه هو الأرض التي نقف عليها جميعاً.