فجيعة أليمة ومؤلمة جداً هزت وجدان الأردن من شماله إلى جنوبه ، وأدمت قلوبنا جميعاً في مشهد يفيض بالحزن والأسى . لقد امتدت يد الغدر والإجرام الدنيئة ، بدم بارد ، لتستهدف بيتاً من بيوت الله ، إبان مراسم تشييع جنازة في كنيسة قرية حمود بمحافظة الكرك الأبيّة ، مسفرةً عن ارتقاء شهداء أبرار وإصابة العشرات من المواطنين الآمنين الذين كانوا يؤدون واجب العزاء .
إن هذا الاعتداء الجبان ، الذي تجرد من كل المبادئ الإنسانية والأخلاقية ، هو تجسيد صريح للتطرف والإرهاب ، وهما ظاهرتان فكريتان وسلوكيتان عابرتان للأديان والثقافات ، ولا ينتميان لديانة بحد ذاتها ، بل هما انحراف فكري ونفسي عن القيم الإنسانية السوية والتعاليم الدينية الصحيحة . إن الجماعات المتطرفة ، بغض النظر عن أهدافها وغاياتها ، تستغل النصوص وتخرجها عن سياقها لتبرير جرائمها ، في حين أن الأديان السماوية تدعو في جوهرها إلى السلم ، والرحمة ، وحفظ النفس الإنسانية .
إن الإسلام العظيم ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم قد وضعا أسمى المبادئ الأخلاقية والإنسانية في الحروب والنزاعات ، فكانت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم حاسمةً وجلية في حرمة الغدر ، والتمثيل بالجثث ، وقتل الأطفال والنساء والكبار والمرضى ، والمساس بالرهبان والمُتعبّدين في صوامعهم ، أو التعرض لمعابدهم وكنائسهم بهدم أو تخريب . حيث روى البيهقي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أوصيكـم بتقـوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً ، اغزوا بسم الله ، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً ) ، وقال أيضاً : ( لا تقتلوا صبياً ، ولا امرأة ، ولا شيخاً كبيراً ، ولا مريضاً ، ولا راهباً ، ولا تقطعوا مُثمراً ، ولا تُخربوا عامراً ، ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرةً إلا لمأكل ، ولا تُغرقوا نحلاً ولا تحرقوه ) . فأي دين أو خلق ينتمي إليه هؤلاء الإرهابيون الذين اعتدوا على الآمنين في دار عبادتهم ؟ !
إننا في أردننا العظيم — هذا الوطن الصغير بمساحته ، الكبير بعطائه وأهله وقيادته وشعبه — نقف جميعاً أردنيين أحراراً أقوياء أشداء في وجه الإرهاب والغدر . نحن يد واحدة ، وقلب واحد ، وصف واحد يمتد كالسد المنيع أمام كل متطرف حاقد . في هذا البلد المعطاء ، لا نعرف تفريقاً ولا تقسيمات ، ولا يوجد فرق على هذه الأرض الطيبة بين مسلم ومسيحي ، فالمصير واحد ، والهم واحد ، والدم واحد ، والوطن هو العنوان الجامع لنا جميعاً .
من أجل ذلك ، فإن كل من تسول له نفسه الأثمة أو يعتقد وهمين أن بوسعه المساس بأمن هذا الوطن ، أو يعكر صفو الأمن والأمان والعلاقات الأخوية في هذا المجتمع ، فإنه لا مكان له بيننا ، ومصيره معروف ونهايته محتومة ومحسومة . سنكون نحن اليد الضاربة التي تبطش بكل إرهابي ومارق ، وسنقطع كل يد تمتد بالشر إلى حمى الأردن . ستتحطم كل محاولات الفتنة على صخرة الوعي الأردني الصلبة ، وسيبقى هذا الوطن عصياً على الكسر ، متماسكاً خلف أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة الباسلة التي تضرب بقوة وبيد من حديد كل من يحاول المساس بسلامة جبهتنا الداخلية .
إننا ندين بأشد وأعلى عبارات الشجب والاستنكار هذه الجريمة النكراء ، مؤكدين أن دماء الشهداء الطاهرة في " حمود " ستكون لعنة على الإرهابيين ومخططاتهم الدنيئة . الرحمة والمجد للشهداء الأبرار ، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين .
حفظ الله الأردن قيادةً وشعباً ، وأدام عليه نعم الأمن والأمان ، وجعله دائماً شامخاً بين الأمم ، وعاش الأردن بلداً عزيزاً مزدهراً بتكاتف أبنائه وقيادته الرشيدة ، وليبقى علمه يرفرف عالياً بالعزة والفخر ، وجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية الساهرة تحميه من كل مكروه ، ومن كل إرهابي ومغرض وحاقد ومستلقٍ وفاسد .