الحمد لله الذي وهب الحياة أمانة، وجعل حفظ النفس عبادةً وديانة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علّمنا أن للإنسان حقًّا، وللروح حرمةً، وللحياة قيمةً وكرامة.
أيها الأحبة، يا شباب الوطن وعماد المستقبل، يا فرسان الطريق وحملة الأمل:
إنَّ الحياة ليست سباقًا إلى الموت، ولا الطريق ميدانًا لاستعراض القوة، ولا السرعة دليلًا على الرجولة والفروسية؛ فكم من شابٍّ ظنَّ أنه يسبق الزمن، فإذا به يترك خلفه حزنًا لا ينتهي، وبيتًا لا يهدأ، وأمًّا تنادي فلا يُجاب نداؤها، وأبًا ينتظر عودةً تحوّلت إلى عزاء!
يا ابن الوطن، تمهَّل ولا تتعجَّل؛ فبين السرعة والندامة لحظة، وبين الطيش والفجيعة غفلة، وبين الوصول بسلام والرحيل إلى الظلام قرار.
عباد الله،
لقد حذَّرنا القرآن الكريم من إهلاك النفس، فقال تعالى:
فحفظ النفس ليس خيارًا عابرًا، بل واجبٌ شرعيٌّ وأخلاقيٌّ وإنسانيّ، والاستهتار بها ليس شجاعةً، بل مجازفةٌ قد يدفع ثمنها البريء قبل المتهوّر، والأهل قبل السائق، والمجتمع قبل المتسبّب.
أيها الشباب،
كم من طريقٍ صحراويٍّ امتدَّ أمام صاحبه كأنَّه شريطٌ من الحرير، فظنَّ أنَّ خلوَّه أمان، وأنَّ استقامته ضمان، وأنَّ سيارته لا تعرف العطب ولا تخشى الاصطدام!
فإذا بالسرعة سهمٌ طائش، وإذا بالمركبة نعشٌ صامت، وإذا بصرخات الإسعاف تعزف لحنًا حزينًا على أوتار الفقد والحرمان.
فالطريق الخارجي ليس طريقًا بلا خطر، والشارع الخالي ليس وعدًا بالنجاة، والمركبة القوية لا تحمي صاحبها من خطأٍ قاتل، ولا تُعيد إلى الحياة روحًا فارقت الجسد.
ومن المؤلم أن يتحوّل بعض الشباب إلى أسرى للسرعة، يطاردون الثواني، ويغامرون بالأرواح، ويحسبون أنَّ مخالفة القانون بطولة، وأنَّ تجاوز الآخرين فتوّة، وأنَّ تصوير المخاطر ونشرها مجدٌ وشهرة!
وما علموا أنَّ البطولة ضبطُ النفس، وأنَّ الرجولة تحمُّل المسؤولية، وأنَّ الشجاعة ليست في الضغط على دواسة الوقود، بل في القدرة على كبح جماح النفس حين تدعوها إلى التهور.
ليس القويُّ مَن يسبق الناس، بل مَن يسبق غضبه؛ وليس البطل مَن يُخيف المارّة، بل مَن يحميهم من شرِّه؛ وليس الفخر أن تصل قبل الآخرين، بل أن تصل إليهم سالمًا وتعود إلى أهلك غانمًا.
أيها الآباء والأمهات،
إنَّ أبناءكم أمانة، وتربيتهم مسؤولية، ومتابعتهم واجب؛ فلا تجعلوا مفاتيح السيارات في أيدي مَن لم يدركوا معنى المسؤولية، ولا تجعلوا التساهل في المخالفات بابًا إلى المآسي، ولا تخلطوا بين الثقة العمياء والتربية الواعية.
علِّموا أبناءكم أنَّ رخصة القيادة ليست ورقةً تُحمل، بل أمانةٌ تُصان، وأنَّ حزام الأمان ليس زينةً في المركبة، بل سببٌ من أسباب النجاة، وأنَّ الهاتف خلف المقود قد يسرق في لحظةٍ عينًا غافلةً وحياةً كاملة.
دقيقةٌ من التأنّي قد تحفظ عمرًا، ولحظةٌ من التهوّر قد تهدم بيتًا؛ فالعاقل مَن اتّعظ بغيره، والشقيُّ مَن جعل من الفاجعة درسًا لا يتعلّمه إلا بعد فوات الأوان.
يا شباب الأردن، يا أمل الغد وذخيرة الوطن،
إنَّ الوطن لا يحتاج إلى شبابٍ يستعرضون سرعتهم في الطرقات، بل إلى رجالٍ يرفعون رايته بالعلم والعمل والانضباط، ويحفظون أرواحهم لتبقى سواعدهم في البناء، وقلوبهم في العطاء، وخطواتهم في دروب الوفاء.
كونوا على الطريق عقلاء، وفي بيوتكم أوفياء، ولوطنكم أوفياء؛ فالأمُّ لا تنتظر خبرًا عاجلًا، والأبُ لا يريد ثوبَ عزاء، والأبناء لا يحتاجون إلى صورةٍ على جدار، بل إلى أبٍ يعود، وأخٍ يبقى، وابنٍ يملأ الدار.
خفِّف سرعتك، تُطِلْ حياتك؛ واحفظ حقَّ غيرك، تحفظ حقَّ نفسك؛ فسلامةُ الطريق مسؤولية، وسلامةُ الإنسان غاية، والعودة إلى البيت نعمةٌ لا يعرف قدرها إلا مَن فقدها.
اللهم احفظ شبابنا من الحوادث والآفات، واحفظ أبناءنا وبناتنا في الطرقات، وارحم مَن قضوا في حوادث السير، واشفِ المصابين، وألهم أهل الفقد الصبر والسلوان.