كيف لمكان يزهر بالجمال من حولنا أن يحظى بكل هذا التجاهل؟
الفكرة أعمق من مجرد وجود البتراء ووادي رم وأم قيس بيننا؛ فحتى البتراء، ورغم شهرة اسمها عالميًا، هنالك الكثير من أبناء البلد لم يزوروها، فكيف بالمواقع الأقل شهرة، والأبعد عن عدسة الكاميرا والترويج؟
ربما لا تكمن المشكلة في نقص المقومات السياحية، بقدر ما تكمن في علاقتنا نحن بهذه المقومات
ماذا لو كانت المشكلة في الوعي؟
أعتقد أن نسبة كبيرة من الناس عندما تفكر بالسياحة والرغبة بالراحة، تفكر بالسفر خارج الأردن. وأعتقد أن الأشخاص الذين يعرفون الخريطة السياحية للأماكن الموجودة في الأردن قلة قليلة، وهناك نسبة لا تبحث حتى عن الأماكن.
والمعلومة ليست بالضرورة بعيدة؛ فالمواقع الرسمية السياحية في الأردن تعرض وجهات ومواقع سياحية من مناطق ومحافظات مختلفة، ووزارة السياحة تعرض مسارات سياحية في عدد من المحافظات.
المعلومة موجودة، والأماكن موجودة، لكن هل نبحث عنها؟ وهل نعرف ما الذي يوجد حولنا؟
عندما نقول "السياحة"، غالبًا ما تتبادر إلى الأذهان صور الفنادق والرحلات والسائح الأجنبي والمواقع الأثرية. لكن السياحة أوسع بكثير من ذلك؛ فهي قطاع يتداخل مع الاقتصاد والثقافة والبيئة والتراث والتعليم والنقل والتسويق وسوق العمل والمجتمعات المحلية.
ولهذا فإن الحديث عن محو الأمية السياحية لا ينبغي أن يقتصر على معرفة الناس أسماء المواقع السياحية.
فالمقصود أعمق من ذلك؛ أن يفهم الفرد قيمة السياحة، وأثرها في مجتمعه، وأن يعرف ما يملكه بلده من مقومات، وأن يدرك دوره في المحافظة عليها والتعامل معها، وأن يرى السياحة مجالًا حقيقيًا للتعلم والعمل والمشاركة، لا مجرد نشاط موسمي أو رحلة ترفيهية.
ولعل هذا الطرح ليس مجرد فكرة نظرية؛ ففي عام 2017 تعاونت منظمة السياحة العالمية مع جهات أردنية لإعداد خارطة طريق لحملة وطنية للتوعية بالسياحة، استهدفت الحكومة والقطاع الخدمي والطلاب وعامة السكان، وكان من أهدافها توضيح أهمية السياحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتشجيع الشباب على النظر إلى السياحة كخيار مهني.
إذن، السؤال ليس: هل نحتاج إلى وعي سياحي؟
بل: إلى أي مدى أصبح هذا الوعي جزءًا من حياتنا اليومية؟
الأفكار القديمة لا تختفي وحدها
ربما تظهر الأمية السياحية أيضًا في الأفكار التي ورثناها عن هذا القطاع.
فما زالت بعض المجتمعات ترى العمل في السياحة غير صالح للبرستيج الطبقي، أو تختصره في وظائف محددة، بينما هو قطاع يحتاج إلى الإدارة والتسويق واللغات والحجوزات وإدارة الإيرادات والتكنولوجيا والإرشاد والضيافة وصناعة المحتوى وغيرها
وهنا تبدأ المشكلة من التعليم أيضًا.
جامعات تخرج أعدادًا محدودة من طلبة تخصصات السياحة والفنادق، كم عدد من يدرس ماجستير في السياحة؟ كم أعداد الأشخاص المنغمسين بالأبحاث عن السياحة؟
فالسياحة ليست قطاعًا يحتاج إلى موظفين فقط، بل إلى باحثين ومخططين ومسوقين ومطورين للمنتجات السياحية وأشخاص قادرين على قراءة سلوك الزائر وتحليل التغيرات في السوق.
وماذا عن التسويق؟
هنا تظهر زاوية أخرى من المشكلة.
التسويق للمكاتب يحظى بزاوية مختلفة. لا أعمم، ولكن أحيانًا نرى الترويج لبعض البرامج بطريقة تركز على جذب المشاهد أكثر من تعريفه بالبرنامج نفسه.
لماذا لا تكون المنافسة بِحق؟
لماذا يكون التركيز على جذب المشاهد فقط، بدل أن يكون التركيز على الوجهة، والتجربة، وما يمكن أن يقدمه البرنامج للعميل؟
أنا لا أقصد أن ظهور الأشخاص في المحتوى مشكلة بحد ذاته، ولا أن كل محتوى يستخدم طريقة مختلفة في التصوير هو محتوى سيئ، لكن أحيانًا أشعر أن السؤال الأهم يضيع وسط محاولة الحصول على المشاهدة:
هل نجذب الشخص إلى السياحة، أم نجذب المشاهد إلى الفيديو فقط؟
الفرق بين الاثنين كبير.
ولما تمضي سنوات الدراسة بالجامعات على دراسة الإتيكيت والتسويق وما نتعلمه من مصطلحات لا بد لنا من معرفتها، وما نأخذه عن دراسة سلوك العملاء، ثم بالنهاية تندرج بعض تصرفات المكاتب لنواحٍ سلبية، هنا نعود لنسأل: أين ذهبت المعرفة التي تعلمناها؟
حين تصبح الأحداث العالمية فرصة سياحية
التسويق يتطلب مواكبة الأحداث العالمية والمحلية أولًا
كيف ممكن لشهرة منتخب ان تجعل دولة كاملة تصبح محط اهتمام سياحي؟
خلال كأس العالم 2026، لفت منتخب الرأس الأخضر الأنظار إلى الدولة، وظهر ذلك أيضًا في الاهتمام السياحي بها؛ إذ أعلنت Expedia أن الطلب على الرأس الأخضر ارتفع بنسبة 935% خلال فترة البطولة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق
وهنا لا يعني ارتفاع عمليات البحث أن كل من بحث سيحجز أو يسافر، لكن الفكرة نفسها لفتت انتباهي.
حتى أنا لم اكن اعلم إنها عبارة عن جزر!
هنا بدأ السؤال يدور في عقلي ...
كيف ممكن ان نستفيد من هذا الترند بمكتب سياحي؟
حتما ليس كل ترند يجب تحويله لبرنامج جديد، خصوصًا إذا كانت الوجهة بعيدة أو تكلفة السفر إلها مرتفعة.
لكن ممكن الإستفادة من الفكرة نفسها.
إذا اصبح هناك فضول عند الاشخاص تجاه البحر، والطبيعة، والأجواء الصيفية بالرأس الأخضر، لما لا نربط هالاهتمام بوجهات موجودة لدينا ، مثل شرم الشيخ أو مرمريس أو أنطاليا؟
هكذا يصبح المحتوى مرتبط بحدث الناس تتكلم عنه، وبنفس الوقت يقوم بإرشادهم لخيارات متوفرة لدينا
وهذا بالنسبة لي جزء من التسويق السياحي الحقيقي؛ أن تعرف ماذا يشغل الناس، ثم تعلم كيف تربطه بما تستطيع تقديمه لهم.
والأهم من كل هذا إني أدركت إنه التفاؤل في هذا المجال ضرورة، وخاصة في ظل الظروف التي بمر فيها قطاع السياحة.
فالسياحة ليست مسؤولية طرف واحد
فالتعاون بين كل أصحاب المصلحة من طلاب التخصص والمكاتب السياحية والمجتمع المحلي ومؤسسات الدولة أمر ضروري لأخذ المجال نحو منحنى آخر.
كل جهه لها دورها ،الجامعة في التعليم، والطالب في التعلم، والمكتب في تقديم الخدمة، والمسوق في إيصال الصورة، والمجتمع المحلي في حماية المكان والتعريف به، والمؤسسات الرسمية في التخطيط والتطوير، والباحث في دراسة المشكلات والبحث عن حلول لها.
فإذا أردت إعلامك أيها القارئ أن التركيز على محو الأمية السياحية أعمق مما يبدو، فلا يهم ما يصب على الترويج والإعلان إذا لم نهتم بالتوعية وإزالة المعتقدات القديمة عن هذا المجال.
فمحو الأمية السياحية لا يعني أن نحفظ أسماء الأماكن السياحية عن ظهر قلب.
بل أن نفهم قيمة السياحة من حولنا، وأن ندرك أن هذا المجال ليس مجرد سفر وفنادق وصور، بل مجال يتداخل مع الاقتصاد والمجتمع والثقافة والإعلام والتعليم والعمل.