رسالة من بنت مادبا إلى قبيلة بني حميدة.. نداء محبة ووحدة لإطفاء نار الخلاف وصون كرامة مادبا
أكتب إليكم اليوم وأنا خارج البلاد في مهمة سريعة، وما إن سمعت بالخبر حتى بكى قلبي قبل عيني؛ لأن الوجع الذي يصيبكم هو وجعي، وما يؤلمكم يؤلمنا جميعاً.
أنا لا أخاطبكم كضيفة، بل أخاطبكم كابنة من بنات هذه الأرض، وكواحدة من أهل البيت الواحد، صاحبة عشرة وعيش وملح وحق.
نحن الحدادين عشنا معكم، وزرعنا وحصدنا معكم في لبّ والطيبة ومليح ومسلة وميشع وذيبان. أكلنا من خبزكم، وشربنا من مائكم، وجمعتنا على مدى عقود روابط الجيرة والمحبة والأخوّة. بيننا تاريخ من العشرة الطيبة والمواقف المشرفة، ولسنا غرباء عن بعضنا؛ بل أهل بيت واحد، تجمعنا مادبا وأرضها وكرامة أهلها.
يا بني حميدة، يا كبار القوم وأهل الحكمة والمواقف المشرفة،
أنتم لم تكونوا يوماً إلا أهل نخوة وإصلاح، وأصحاب كلمة مسموعة ومجالس عامرة بالخير. عرفناكم مرجعيةً عند الاختلاف، وملاذاً عند الشدائد، ورجالاً يسعون إلى إطفاء نار الفتنة وإصلاح ذات البين، لا إلى تأجيج الخلاف.
ومن هذا التاريخ المشترك، ومن المحبة التي نحملها لكم، أرفع صوتي اليوم نداءً صادقاً من القلب، راجيةً أن تكون الحكمة هي العنوان، وأن يكون الصلح هو الطريق، وأن تبقى المحبة أقوى من كل خلاف.
ويقول الكتاب المقدس: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» [متى 5: 9].
كلمة حق أقولها بمحبة وحرص على الجميع:
نحن في دولة قانون ومؤسسات، تحميها أجهزتنا الأمنية الباسلة، التي تضم أبناءنا وأبناءكم، وتعمل في ظل الراية الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.
إن سيادة القانون هي المرجع، والحكمة هي السبيل، والصلح هو الموقف الذي يحفظ كرامة الجميع. فلا أحد فوق القانون، ولا ينبغي لأي خلاف، مهما كانت أسبابه، أن يكون أكبر من مصلحة مادبا وأهلها ومستقبل أبنائها.
لقد علّمنا جلالة الملك أن الأردنيين أسرة واحدة، وأن وحدتنا الوطنية هي مصدر قوتنا ومنعتنا، وأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما قد يختلف عليه بعضنا.
إن استمرار الخلاف لن يوجع طرفاً دون آخر، بل سيمتد أثره إلى الأمهات والأبناء والعائلات، وقد يترك جرحاً في ذاكرة مجتمعنا الذي نريده دائماً نموذجاً للأخوّة والتسامح والتعايش. والخاسر الأكبر، إذا غابت الحكمة، هو نسيج مادبا الاجتماعي الذي نفخر به جميعاً.
ندائي إلى شيوخ بني حميدة وكبارها وعقلائها وشبابها:
إن المسؤولية اليوم كبيرة، والعيون تتطلع إليكم، والقلوب تنتظر منكم كلمة تجمع ولا تفرق، وتطفئ نار الخلاف ولا تزيدها اشتعالاً.
اجعلوا الحكمة عنوان موقفكم، والمصلحة العامة بوصلتكم، وكرامة القبيلة ومادبا أمانةً في أعناق الجميع. خذوا بأيدي الشباب نحو التهدئة، وافتحوا أبواب الحوار، ودعوا أهل الإصلاح يقومون بدورهم، بعيداً عن التصعيد وكل ما من شأنه أن يوسع دائرة الخلاف.
فالرجولة الحقيقية ليست في ارتفاع الأصوات، ولا في الإصرار على الخصومة، وإنما في ضبط النفس، وحفظ الكرامات، وقبول الحلول التي تصون الحقوق وتعيد المحبة بين الناس.
وما أجمل أن يُذكر الرجال بموقفهم في الإصلاح، وأن تبقى مجالسهم عامرة بالخير، وأن تكون كلمتهم سبباً في جمع الشمل وإعادة الطمأنينة إلى البيوت والقلوب.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
وأقولها بكل صدق:
لست ممن يتصدّر للفصل في الصلح، فله أهله ورجاله وشيوخه، وإنما أنا ابنتكم التي تحبكم وتعتز بكم، وترفع صوتها اليوم من موقع المحبة والحرص على الجميع، داعيةً إلى تدارك الأمر، وتغليب لغة العقل، وإعطاء أهل الحكمة والإصلاح الفرصة الكافية للوصول إلى ما فيه الخير.
وسأبقى، كما عهدتموني، سنداً لكل جهد صادق يجمع القلوب، ويصون كرامة العشائر، ويحفظ لمادبا مكانتها وأصالتها، ويدعم وحدة أبنائها تحت راية الوطن والقيادة الهاشمية.
يا بني حميدة، يا صقور مادبا، إن تاريخكم ومواقفكم أكبر من أي خلاف عابر، وإن المحبة التي جمعتنا لعقود تستحق منا أن نحميها، وأن نترك لأبنائنا إرثاً من الوفاق والكرامة، لا ذاكرةً من الخصام.
اللهم احفظ الأردن، واحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، واحفظ شعبنا وجيشنا وأجهزتنا الأمنية، وأدم المحبة والأمن والاستقرار على مادبا وأهلها، واجمع القلوب على الخير والإصلاح.