فصلٌ جديد من فصول العلاقات الأردنية الإماراتية في مشروع استراتيجي جديد، ففي الخامس من أكتوبر الحالي، شهد جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، وسمو الشيخ خالد بن زايد آل نهيان رعاه الله ، مراسم وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة ـ الشيديَّة ـ معان، في مدينة العقبة. والذي تطوره وترعاه الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات، باستثمار إماراتي أردني تصل قيمته نحو 2.5 مليار دولار، ويتضمن تطوير شبكة سكك حديدية بطول 403 كليومترات. حيث يأتي هذا المشروع امتدادًا لرؤية جلالة الملك عبد الله الثاني، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والهادفة إلى ترسيخ الشراكة الاستراتيجية المستدامة بين البلدين.
منذ القدم والعلاقات الأردنية الإماراتية المتميزة تسعى لكل ما فيه الخير والرخاء والازدهار لكل ما فيه الخير للشعبين الشقيقين ، ولم تقتصر فقط على تطوير العلاقات السياسية والدبلوماسية أو التعاون الاقتصادي التقليدي فقط، بل امتدت لتظهر مشاريع استراتيجية تنموية تتجاوز الاقتصاد، ذات أثر بالغ على مستقبل البلدين. وعليه فإن هذا المشروع الضخم ليس مجرد وسيلة لنقل الثروات المعدنية، بل يُظهر القدرة الأردنية على استقطاب مشاريع تقوم على مصالح اقتصادية مشتركة؛ فالأردن يمتلك بنية تحتية حديثة، وموقعًا لوجستيًا فاعلًا يعزز من قدرته على الحضور والتأثير والجذب الاقتصادي الاستثماري.
وهنا تأتي فكرة نجاح هذا المشروع الذي لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات من قضبان الحديد، وإنما بحجم الاقتصاد والفرص التي ستنشأ عنه من استثمارات صناعية، ومراكز لوجستية ومستودعات في مدينة معان ومناطق الجنوب، بالإضافة إلى تطوير ميناء معان البري، وما يتعلق به من خدمات جمركية ونقل وتخليص وشحن، وخفض كلفة النقل، وزيادة القدرة التنافسية للصادرات الأردنية في الأسواق الخارجية. كما أن المشروع سيعمل على جذب شركات دولية للاستثمار والخدمات اللوجستية والصناعات، وفتح المجال أمام شبكة سكك أوسع وأشمل يمكن أن تربط الأردن بممرات نقل إقليمية مستقبلًا، وتطوير الخبرات الأردنية في إدارة وتشغيل وصيانة منظومات السكك الحديدية الحديثة.
إن مدينة العقبة الأردنية لن تستفيد من السكة فقط كونها ستستقبل القطارات، بل إن السكة قد تزيد من حجم وكفاءة النشاط الاقتصادي المرتبط بالميناء، فالجنوب لن يقتصر فقط على إنتاج الموارد التعدينية، مثل الفوسفات في العيدية والبوتاس في منطقة غور الصافي، فالموانئ في العقبة ستعمل على تصدير هذه المنتاجات للأسواق الخارجية وبكميات كبيرة.
وأخيرًا يمكن القول إن الأهم في هذا المشروع أنه يقدم أنموذجًا عمليًا تشكله الشراكة الأردنية الإماراتية، وذلك بالانتقال من العلاقات الأخوية الراسخة إلى مشاريع استراتيجية تلامس حياة الناس والاقتصاد ومستقبل البلدين، فهو بداية طريق جديد يحمل فرصًا أوسع للأردن، وتحول المواقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية إلى فرص ازدهار حقيقة.
بقلم: د. طلال الحبيلي السِّرحان/ باحث مختص في القوة الناعمة.