مختص بحقوق الإنسان والتاريخ السياسي والقانون الدولي
لا تُقاس أهمية الدبلوماسية بكثرة التصريحات، بل بقدرتها على إيصال المواقف بوضوح، والدفاع عن المصالح الوطنية، وفتح مسارات عملية للتعامل مع الأزمات. ومن هذا المنطلق، تكتسب مشاركة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، مندوبًا عن جلالة الملك عبدالله الثاني، في قمة دول جنوب أوروبا «ميد 9»، التي عُقدت في مدينة سبليت الكرواتية، أهمية تتجاوز المشاركة الرسمية، لتسلط الضوء على أولويات السياسة الأردنية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
يتحرك الأردن في محيط تتداخل فيه الأزمات السياسية والاعتبارات الأمنية والتحديات الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الدبلوماسية أداة أساسية لحماية المصالح الوطنية والدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وتبرز أهمية الموقف الأردني في سعيه إلى الجمع بين وضوح الثوابت السياسية والاحتكام إلى القانون الدولي، بعيدًا عن الفصل بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
في القضية الفلسطينية، تتقدم حماية المدنيين في قطاع غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية ورفض التهجير القسري صدارة الأولويات. وهذه المواقف لا تستند إلى اعتبارات سياسية فحسب، بل ترتبط بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تكفل حماية المدنيين وتحظر النقل القسري في الظروف التي ينطبق عليها الحظر. كما أن استمرار التوتر في الضفة الغربية والقدس، بما في ذلك اعتداءات المستوطنين، يؤكد أن التعامل مع تداعيات الصراع لا يغني عن معالجة أسبابه وجذوره. ومن هنا، يظل حل الدولتين، بما يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، الإطار الذي يتمسك به الأردن لتحقيق سلام عادل ودائم.
ولا تنفصل القضية الفلسطينية عن أمن الأردن وسيادته، كما لا يمكن عزل التطورات الإقليمية عن انعكاساتها الاقتصادية والأمنية. فقد أظهرت تداعيات حرب إيران مدى ترابط أمن المنطقة، وما يمكن أن يترتب على التصعيد من اضطراب في إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد وارتفاع الأسعار. وقد أشار سمو ولي العهد إلى أن الأردن شهد انعكاسات الحرب من أكثر من جانب، وهو ما يبرز أهمية تكثيف الجهود الدولية لتهدئة التوتر وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، والعمل على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات بدلًا من الاكتفاء باحتواء نتائجها.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى احترام سيادة الدول ودعم استقرارها أهمية خاصة. فالأردن، من خلال علاقاته مع شركائه، يدعم جهود سوريا ولبنان لتحقيق الاستقرار والتنمية وصون السيادة، في وقت تفرض فيه الاعتداءات والتوترات الإقليمية تحديات إضافية على فرص التعافي والاستقرار. وتؤكد هذه المقاربة أن أمن المنطقة لا يتحقق بمعالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى، بل من خلال رؤية تراعي المصالح المشروعة للدول وحقوق شعوبها، وتحد من اتساع دائرة الصراع.
وتبرز هنا أهمية الدبلوماسية الوقائية، التي لا تنتظر وصول الأزمات إلى مراحلها الأكثر خطورة، بل تعمل على خفض التصعيد وتعزيز الحوار وتوسيع مساحات التفاهم. فالمواقف الحازمة تكتسب أثرها عندما تقترن بالعمل الدبلوماسي المستمر، وبالقدرة على بناء شراكات تسهم في الحد من المخاطر قبل تحولها إلى أزمات يصعب احتواؤها. كما أن الاحتكام إلى القانون الدولي ينبغي أن يشكل أساسًا ثابتًا في التعامل مع النزاعات، لا مجرد مرجعية تُستحضر عند اشتدادها.
وفي موازاة الملفات السياسية والأمنية، تتيح العلاقات الأردنية الأوروبية مجالًا مهمًا لتعزيز التعاون الاقتصادي. وقد أشار سمو ولي العهد إلى فرص تطوير مشاريع مشتركة بين الأردن ودول مجموعة «ميد 9» في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا، بما يشمل الطاقة المتجددة والربط الكهربائي والسكك الحديدية والربط الرقمي والبنية التحتية والممرات اللوجستية. وتنبع أهمية هذه المجالات من قدرتها على دعم الاستثمار وتوسيع فرص العمل والتعليم وتبادل الخبرات، فضلًا عن تعزيز الترابط الاقتصادي بين الأردن وأوروبا.
ويشكل الموقع الجغرافي للأردن فرصة استراتيجية للربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، غير أن تحويل هذه الميزة إلى مكاسب ملموسة يتطلب الانتقال من عرض الفرص إلى تطوير مشاريع قابلة للتنفيذ، تستند إلى خطط واضحة وشراكات فاعلة ومصالح متبادلة. وفي هذا الإطار، يمثل مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي، المقرر أن تستضيفه المملكة في تشرين الثاني، فرصة لبحث آفاق التعاون وتحويل الإمكانات المتاحة إلى مسارات عملية تدعم الاقتصاد الأردني وتعزز علاقاته مع الشركاء الأوروبيين.
إن أهمية الحضور الأردني في المحافل الدولية لا تتوقف عند عرض المواقف، بل تمتد إلى متابعة أثرها وبناء شراكات تسهم في تحقيق أهدافها. فالموقف القانوني تزداد قوته بوضوح مرجعيته، والشراكة الاقتصادية تقاس بنتائجها، والسياسة الأمنية بقدرتها على حماية السيادة والحد من مخاطر التصعيد.
ومن سبليت إلى سائر المحافل الدولية، تبقى معادلة الدبلوماسية الأردنية قائمة على حماية الحقوق، وصون السيادة، ودعم الاستقرار، وتوسيع مجالات التعاون. وتكتسب هذه المعادلة قيمتها حين تتحول المبادئ إلى مواقف واضحة، والمواقف إلى عمل دبلوماسي مستمر، والشراكات إلى نتائج ملموسة. فالدبلوماسية الناجحة ليست الأعلى صوتًا، بل الأقدر على حماية مصالح الدولة والدفاع عن الحقوق، ضمن رؤية تجمع بين الشرعية الدولية وواقعية السياسة ومتطلبات المستقبل.