من معهد إربد للفنون الجميلة، حكاية موهبة شابة تشق طريقها نحو المشهد الموسيقي الأردني.
إربد – رندا سليمان العايش
في المشهد الثقافي والفني، لا تولد المواهب الكبيرة دفعةً واحدة، بل تنمو بهدوء، وتتشكّل بين التدريب والشغف، وتصقلها التجربة حتى تقف على خشبة المسرح بثقة تستحق الإصغاء. ومن هذا الفضاء الفني الذي تحتضنه مدينة إربد، يطلّ الفنان الشاب نديم يعقوب بوصفه موهبة واعدة تحمل ملامح فنان في طور التشكّل والنضج، وتفتح أمامها الموسيقى آفاقًا رحبة للتعبير والإبداع.
وقد جاءت الأمسية الموسيقية التي نظمها معهد إربد للفنون الجميلة، بالتعاون مع مديرية ثقافة إربد، في مركز إربد الثقافي، لتشكّل محطة فنية لافتة، كشفت عن حضور موسيقي شاب، وأعادت التأكيد على أهمية المنصات الثقافية التي تمنح المواهب فرصتها للظهور، وتتيح لها الانتقال من فضاء التدريب إلى رحابة المسرح والتواصل مع الجمهور.
لم تكن الأمسية مجرد موعد مع النغم، بل كانت أقرب إلى إعلان عن بداية تجربة فنية تستحق المتابعة؛ فالفنان نديم يعقوب، بما يمثّله من طاقة شابة وشغف بالموسيقى، يجسّد أهمية منح المواهب الناشئة الفرصة لتقديم نفسها، واكتساب الخبرة، وصقل أدواتها الفنية. فالموهبة، مهما امتلكت من مقومات، تحتاج إلى مساحة تحتضنها، وتجربة تثريها، وجمهور يمنحها فرصة الوصول والتأثير.
إن البدايات الفنية لا تُقاس وحدها بما تحققه من حضور آني، بل بما تفتحه من أبواب أمام المستقبل. ومن هنا، فإن ظهور نديم يعقوب في هذه الأمسية يمثّل خطوة في مسار فني يحتاج إلى الاستمرار في التعلم والممارسة والانفتاح على التجارب الموسيقية المختلفة؛ فلكل فنان حكاية تبدأ بشغف، ثم تنمو بالإصرار، حتى تتبلور لهويته الخاصة ويصبح لصوته وحضوره بصمتهما المميزة.
ولا تكتمل صورة هذه الأمسية دون الإشادة بالفرقة الموسيقية التي رافقت الفنان، بقيادة الأستاذ وليد الخطيب، الذي أسهم بخبرته الموسيقية في تقديم أداء متناغم أضفى على الأمسية جمالًا وثراءً. فقد شكّل الانسجام بين أفراد الفرقة عنصرًا أساسيًا في بناء الحالة الموسيقية، وأبرز قيمة العمل الجماعي في منح النغم روحه، وتحويل الأداء إلى حوار فني تتكامل فيه الأدوار وتلتقي فيه الخبرة بالإحساس.
ومن أكثر المشاهد التي لفتت انتباهي في هذه الأمسية، حضور الفنان الرائع علي ذيابات ضمن كورال الأمسية، دعمًا لصديقه نديم يعقوب، في لفتة إنسانية وفنية تجسّد المعنى الحقيقي للصداقة الصادقة. فقد كان حضوره رسالة جميلة تؤكد أن الفن لا يجمع الأصوات فحسب، بل يجمع القلوب أيضًا، وأن الصداقة الحقيقية تتجاوز حدود الكلمات لتترجم نفسها مواقف ومساندة ووفاءً.
ما أجمل أن يقف الفنان إلى جانب صديقه، لا ليشاركه النغم فحسب، بل ليكون سندًا له في لحظة يستحق فيها التشجيع والاحتفاء. إنها صورة راقية من صور الوفاء، حين يفرح الإنسان لنجاح صديقه، ويمنحه من حضوره ما يعزز ثقته ويدعم خطوته. فبعض الصداقات تشبه الموسيقى؛ تنسجم فيها الأرواح قبل أن تتآلف الأصوات، ويصبح الدعم فيها لحنًا آخر لا يقل جمالًا عن لحن الأمسية نفسها.
ويستحق الأستاذ فتحي الضمور، مدير معهد إربد للفنون الجميلة، كل الشكر والتقدير على اهتمامه بالمواهب الشابة وحرصه على احتضان الطاقات الإبداعية، وإتاحة المنابر أمام الشباب للتعبير عن قدراتهم وإبراز إمكاناتهم. فدعم الشباب ليس مجرد تنظيم فعالية أو إقامة أمسية، بل هو إيمان بقدراتهم، واستثمار في مستقبل الثقافة والفنون، وتوفير للبيئة التي يستطيع فيها المبدع أن يكتشف ذاته ويطوّر أدواته ويشق طريقه بثقة.
وتؤكد هذه الأمسية أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات الثقافية والفنية في إربد، بما توفره من فرص للتعلم والمشاركة والظهور، وبما تتيحه من مساحات تلتقي فيها المواهب الشابة بأصحاب الخبرة والتجربة. فالمؤسسات الثقافية لا تحتضن الفن فحسب، بل تسهم في صناعة الثقة، وتفتح النوافذ أمام جيل جديد قادر على إثراء المشهد الثقافي الأردني.
ومن هنا، فإن الحديث عن نديم يعقوب اليوم ليس احتفاءً بأمسية موسيقية ناجحة فحسب، وإنما التفات إلى موهبة شابة تستحق التشجيع، وإلى بداية قد تحمل في طياتها ملامح تجربة فنية تتطور مع الزمن. فكل فنان كبير كانت له لحظة أولى، وكل مسيرة إبداعية بدأت بخطوة، وربما كانت هذه الأمسية واحدة من اللحظات التي يُلتفت إليها لاحقًا بوصفها بداية الطريق.
إن إربد، بما تختزنه من إرث ثقافي وفني، تواصل احتضان الطاقات الشابة، وتمنحها فرصًا جديدة لتجد مكانها تحت الضوء. وبين موهبة نديم يعقوب، وخبرة الفرقة الموسيقية بقيادة الأستاذ وليد الخطيب، ووفاء الصداقة الذي تجلّى في حضور الفنان علي ذيابات، واهتمام معهد إربد للفنون الجميلة، تتجلى قيمة الشراكة بين الموهبة والرعاية والخبرة والعلاقات الإنسانية الصادقة في بناء مشهد فني أكثر حيوية وتجدّدًا.
نديم يعقوب… موهبة شابة تتألق، وخطوة أولى في حكاية فنية تستحق أن تُروى، وأن تجد من يؤمن بها ويرافقها في طريق الإبداع.