في مدونات التاريخ الوطني الأردني، تتجلّى شخصياتٌ حفرت حضورها في ذاكرة الدولة بعرق الخدمة العسكرية وصوت الحكمة التشريعية، ويقف العين اللواء الركن المتقاعد غازي عوده عويد المقيبل السرحان في صدارة هذه القامات الوطنية التي جمعت بين صرامة البدلة العسكرية ووقار العمل البرلماني.
بدأت مسيرته من بين صفوف القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، حيث صقلت الميدان شخصيته على قيم الانضباط والوفاء للوطن والعرش، وتدرج في الرتب والمناصب العسكرية حتى نال رتبة لواء ركن، متسلحاً بتأهيل عسكري وأكاديمي رفيع ومجسداً نموذج القائد الميداني الذي يضع أمن الوطن وسيادته فوق كل اعتبار.
وقد استمد الباشا الفكر العشائري من والده المرحوم الشيخ عودة المقيبل السرحان، قائد اللواءين الذي جمع بين الفطنة العشائرية وحكمتها وهيبة العسكر؛ فقد كان الباشا السرحان تلميذاً لوالده الراحل أبا غازي الذي أبدع في مسيرته العسكرية والعشائرية وخدمة أبناء الوطن عامة في جميع المواقع التي وصل إليها.
ولم تكن رحلة التقاعد من المؤسسة العسكرية سوى بداية لمرحلة جديدة من العطاء الوطني، حيث انتقل من ميدان السلاح إلى ميدان التشريع والرقابة، ليمثل أبناء مجتمعه ووطنه تحت قبة البرلمان. وقد أثبت حضوراً استثنائياً في الشقين التشريعيين؛ فكان نائباً يُشار إليه بالبنان في مجلس النواب، يحمل هموم المواطنين ويتصدى للتشريعات الوطنية بوعي عميق ورؤية ثاقبة، قبل أن تُتوّج هذه المسيرة بالثقة الملكية السامية بفرده عضواً في مجلس الأعيان الأردني، ليواصل دوره في صياغة السياسات الوطنية العليا وإسداء الرأي الحكيم في أدق القضايا التشريعية والسياسية التي تمس حاضر المملكة ومستقبلها.
وامتداداً لهذا الدور الوطني الجامع، برز غازي السرحان كجسر تواصل متين بين القيادة والمجتمع المحلي، مسخّراً خبراته العميقة في إدارة الأزمات وقضايا السلم المجتمعي لخدمة التماسك الوطني ورأب الصدع في مختلف المحطات. ولم يقتصر بذله على الجوانب التشريعية والعسكرية فحسب، بل تميز بحضوره الاجتماعي والشبابي الدائم، حرصاً منه على نقل قيم التضحية والانتماء للأجيال الناشئة، ومؤكداً أن خدمة الوطن مسار مستمر لا يتوقف عند حدود المنصب أو المسؤولية الرسمية.
إن تجربة العين غازي السرحان تعكس النسيج الأصيل للرجالات الذين جمعوا بين هيبة العسكر وحنكة السياسة، ممن تشربوا قيم البادية والأصالة الأردنية وسخّروها في خدمة المؤسسات الدستورية.
ويتجلى في مسيرته هذا الامتداد الطبيعي بين الدفاع عن حدود الوطن وحماية مقدراته بالقوة والحزم، وبين ترسيخ دولة القانون والمؤسسات تحت القبة بالمنطق والحجة، ليظل اسمه شاهداً على مرحلة ممتدة من العطاء، ورجلاً من رجال الدولة الذين تركوا أثراً عميقاً في المسيرة الوطنية الأردنية.