فقدت عشيرة العبداللات وعشائر السلط والبلقاء رجلًا من رجالاتها الذين جمعوا نبوغ العلم، وهيبة الموقف، وشرف المهنة، وصدق الانتماء للوطن؛ مهندسًا سبق عصره، وخدم وطنه لعقود، وترك وراءه إرثًا مهنيًا وإنسانيًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
سيرة رجلٍ جمع بين نبوغ العلم، وشرف المهنة، وخدمة الوطن
منذ سنواته الأولى، كان التميز عنوانًا لمسيرته؛ فقد برز في مرحلة الدراسة الثانوية، وكان من أوائل الطلبة في امتحان شهادة الثانوية العامة على مستوى الأردن وفلسطين، في وقت كانت فيه الشهادة العلمية بوابةً نادرة إلى مستقبل مختلف، وطريقًا يتطلب الكثير من المثابرة والطموح.
قادَه شغفه بالعلم إلى دراسة الهندسة في العراق، حيث واصل تفوقه الأكاديمي، وكان الأول على لوحة شرف الكلية طوال سنوات دراسته، ليؤكد منذ وقت مبكر أن التميز بالنسبة إليه لم يكن إنجازًا عابرًا، وإنما نهجًا رافقه في مختلف مراحل حياته.
وفي عام 1968، تخرج مهندسًا بتفوق، ليكون بذلك أول مهندس في عشيرة العبداللات، ومن أوائل خريجي الهندسة على مستوى السلط والبلقاء، فاتحًا بذلك طريقًا جديدًا لأبناء العائلة نحو التعليم الهندسي والتخصصات العلمية.
كما ارتبطت مسيرته الأكاديمية بجامعة البصرة، حيث كان الأول على دفعة هندسة الميكانيك.
من الهندسة إلى بناء المؤسسة
وعند تخرجه، كان الأردن يمر بتحديات سياسية كبيرة وحرب استنزاف، زادت من الأعباء وشكلت تحديات كبيرة لكل مفاصل الدولة، مما تطلب جيلًا قياديًا من المهندسين القادرين على المساهمة في إعادة البناء، وكان المهندس نائل العبداللات أحدهم.
بدأ حياته المهنية مهندسًا في أمانة عمّان، ثم انتقل إلى سلطة المياه والري، حيث كان من المساهمين في تأسيسها وفي بناء منظومة العمل الهندسي والإداري فيها.
وهناك تجاوز دوره حدود الوظيفة التقليدية للمهندس؛ فأسهم في وضع الأسس للمواصفات الهندسية والعقود، كما شارك في تأسيس نظم وبروتوكولات إدارة دائرة العطاءات والمشتريات في سلطة المياه.
ولم تكن تلك النظم مجرد إجراءات إدارية مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل أصبحت مرجعًا استند إليه العمل في السلطة ووزارة المياه والري لسنوات طويلة، وهو ما يعكس أحد أهم جوانب إرثه المهني: أن يترك وراءه نظامًا يستمر بعد انتهاء دوره، لا مجرد إنجاز ينتهي بانتهاء المهمة.
مهندس في خدمة الاقتصاد الوطني
كان يؤمن بأن الهندسة ليست مجرد تخصص فني، وإنما أداة لخدمة الوطن وحماية موارده وتعظيم الاستفادة من إمكاناته.
ومن هذا المنطلق، كان ملتزمًا بدعم الاقتصاد الوطني والصناعات الوطنية، من خلال العمل على إلزام استخدام المنتجات المحلية في العطاءات الحكومية، بما يعزز الصناعة الوطنية ويفتح لها المجال للمشاركة في المشاريع الحكومية.
كما أسهم، من خلال خبرته الهندسية وقدرته على إيجاد الحلول، في توفير ملايين الدنانير في العطاءات الحكومية عبر حلول هندسية مبتكرة، تجمع بين الكفاءة الفنية وحسن إدارة المال العام.
وهنا تظهر إحدى السمات الأبرز في شخصيته المهنية؛ فلم يكن ينظر إلى العطاء أو المشروع باعتباره مجرد ملف فني، وإنما كان يرى في كل قرار هندسي مسؤولية تجاه الوطن، وفي كل دينار يتم إنفاقه أمانة يجب أن يُصان.
رجل المؤسسة… ورجل الناس
ورغم طبيعة عمله ومسؤولياته، بقيت علاقته بالناس جزءًا أساسيًا من شخصيته.
فقد عُرف بالأمانة والصدق والتفاني في العمل، وبعلاقاته الإنسانية الراقية مع زملائه وموظفيه، حتى غدت هذه الصفات جزءًا من الإرث الذي تركه في المؤسسات التي عمل فيها.
ولعل أبلغ ما يلخص هذه الصورة كلمات التكريم التي وُصفت بها شخصيته:
الأمانة… الصدق… التفاني في العمل… العطاء الدائم
كلمات لم تكن مجرد عبارات احتفالية، بل صفات ارتبطت به في ذاكرة من عاصروه وعملوا معه.
وبعد ٤٠ عامًا من خدمة الوطن بإخلاص وتفانٍ، حصل على الدرجة الخاصة تقديرًا لمسيرته المهنية وخدمته الطويلة في الدولة.
وتكريمًا لمسيرته في خدمة الوطن، وما قدمه من عطاء وإسهامات خلال سنوات عمله، مُنح جواز السفر الدبلوماسي (الجواز الأحمر)، ليكون ذلك تقديرًا رسميًا لمسيرة حافلة بالعطاء والمسؤولية الوطنية.
ذاكرةٌ تحفظ التاريخ
لكن المهندس نائل حامد العبداللات لم يكن مهندسًا وإداريًا فحسب.
كان أيضًا حافظًا وراويًا لتاريخ عشيرة العبداللات وتاريخ الأردن وعشائره، يحمل في ذاكرته تفاصيل واسعة عن الرجال والأحداث والأصول والأنساب والروايات التي تناقلتها الأجيال.
وكان شغفه بالمعرفة يتجاوز تخصصه الهندسي بكثير؛ فكان أشبه بموسوعة حية في العلوم والآداب والتاريخ والجغرافيا والسياسة والأديان والتقاليد والأنساب العشائرية.
وكان يمتلك قدرة لافتة على الربط بين المعلومة والتاريخ والمكان والإنسان، مستندًا إلى ذاكرة واسعة وفضول معرفي لم يتوقف مع التقدم في العمر.
إيمان مبكر بتعليم المرأة وتمكينها
ومن الجوانب اللافتة في شخصيته إيمانه المبكر بأهمية تعليم المرأة وتمكينها، وتشجيعه لذلك داخل العائلة وعلى مستوى محافظة البلقاء منذ ٥٠ عامًا.
ففي زمن لم يكن فيه تعليم المرأة وتمكينها يحظيان بالمساحة التي يحظيان بها اليوم، كان يرى في تعليمها استثمارًا في الأسرة والمجتمع، ويشجع بنات العائلة ومن حوله على طلب العلم وبناء مستقبل قائم على المعرفة والاستقلالية والقدرة على العطاء.
وهكذا امتد أثره من المجال المهني إلى المجال الاجتماعي والإنساني، ومن المؤسسة إلى الأسرة والمجتمع.
على الصعيد العائلي
وعلى الصعيد العائلي؛ زوجته المربية الفاضلة والتربويّة حياة موسى حمدان العبداللات.
وكان له دور الملهم والداعم في تعليم أخوانه وأبناءه.
وهو والد كل من المرحوم شادي، والدكتور المهندس هاني، والدكتور الجراح محمد، والفاضلات رولا، والمهندسة أمل، ودعاء.
وشقيق كل من العميد المتقاعد أحمد عادل، والدكتور خالد، والدكتور نايف، والحاج عبدالله، والعميد المتقاعد المحامي محمد، والأستاذ عدنان، وشقيق المربيات الفاضلات نوفة، ونوال، ونجاح، والمرحومة يسرى.
وجد نائل وراكان العبداللات.
إرثٌ يتجاوز سنوات الخدمة
ربما يمكن قياس نجاح الإنسان بالمناصب التي شغلها، أو المشاريع التي أنجزها، أو الجوائز التي حصل عليها.
لكن بعض الأشخاص يُقاس أثرهم بطريقة مختلفة؛ بما تركوه في ذاكرة الناس، وفي المؤسسات التي عملوا فيها، وفي المبادئ التي أورثوها لأبنائهم ومن حولهم.
وبعد ٢٠ عامًا على تقاعده، لا يزال اسمه حاضرًا في المواقع التي عمل فيها، ويتردد بين من عرفوه وزاملوه، وتبقى سيرته مرتبطةً بالقيم التي آمن بها ومارسها: الأمانة، والصدق، والتفاني، والعطاء.
لقد ترك أثرًا في أكثر من مجال؛
في العلم، حين جعل التفوق نهجًا؛
وفي الهندسة، حين سخّر معرفته لخدمة الوطن؛
وفي المؤسسة، حين أسهم في بناء أنظمة وإجراءات استمرت بعده؛
وفي الاقتصاد الوطني، حين دعم المنتج المحلي وأسهم في ترشيد الإنفاق الحكومي؛
وفي المجتمع، حين آمن بالتعليم وتمكين المرأة؛
وفي الذاكرة الوطنية والعشائرية، حين حفظ التاريخ وروى تفاصيله للأجيال.
ولهذا، فإن الحديث عن المهندس نائل حامد العبداللات ليس حديثًا عن مسيرة وظيفية فحسب، بل عن سيرة رجلٍ عاش متمسكًا بالعلم، وعمل مؤمنًا بالمسؤولية، وتعامل مع الناس بالأخلاق، وترك وراءه أثرًا لا تقيسه سنوات الخدمة وحدها.
وقد انتقل إلى رحمة الله تعالى في شهر أيلول من عام 2026، محاطًا بعائلته، مؤمنًا صابرًا تقيًا نقيًا.
رجلٌ لم يكن حضوره مرتبطًا بمنصب، ولم ينتهِ أثره بالتقاعد؛