يقول الله تعالى مخاطبًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
هذا رسول الله ﷺ، فكيف بك أنت؟
إخوة الإيمان الأكارم، يأتي الهلاك لابن آدم إذا غلب على ظنه أنه خير من غيره. فقد ذُكر للنبي ﷺ رجلٌ كثير الصلاة والصيام، عُرف بالورع والتقشف، فلم يعرفه النبي ﷺ. وبينما هم جلوس في المسجد دخل الرجل، فقالوا: يا رسول الله، هذا هو الرجل. فقال ﷺ: «والله، إن على وجهه سَفْعَةً من الشيطان.» ثم أقبل الرجل، فقال له النبي ﷺ: «أسألك بالله، أما حدَّثت نفسك، وأنت تدخل المسجد، أنك خيرٌ من جميع من فيه؟» فقال: بلى يا رسول الله.
فهذا هو الهلاك بعينه: أن تظن أن التقوى منك، والضلالة في غيرك.
إذا كان فيك صلاة، فلا تُعجبن بها؛ فلعل صاحب اللباس البسيط والشعر المنفوش أوفى بالعهد منك. وإذا كان فيك وفاء، فلا تُعجبن به؛ فلعل الذي تمقته في بعض حالاته أوصل للرحم منك. وإذا كان فيك صلة رحم، فلا تُعجبن بها؛ فلعل الذي تنظر إليه باحتقار أكثر صيامًا منك.
إذا رأيت من هو أكبر منك سنًّا، فقل: هذا خير مني؛ صام، وصلى، وعبد الله قبلي. وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: هذا خير مني؛ فهو أقل مني ذنوبًا. ووطِّن نفسك على هذا السلوك.
ويروى أن كليم الله موسى عليه السلام قال: يا رب، إن صليت فمن قبلك، وإن صمت فمن قبلك، وإن تصدقت فمن قبلك؟ فقال الله تعالى: الآن عبدتني يا موسى.
إذا أردت الخير لنفسك، فلا تظن أنك خير من أحد.
ويُروى أن السيدة زبيدة، رحمها الله، لما ماتت، رأتها خادمتها في المنام في الجنة، فقالت لها: أبسبب عين الماء التي أجريتها من العراق إلى مكة لسقاية الحجيج؟ فقالت: لا، بل بركعات قليلة في جوف الليل، حيث لا يراني أحد.
إخوة الإيمان، ربَّ عملٍ عظيمٍ حقَّرته النية، وربَّ عملٍ قليلٍ عظَّمته النية. فلا تحتقرنَّ أحدًا مهما كثرت معاصيه؛ فربما أنقذته دمعةُ ندم، أو سجدةُ خضوع، أو لحظةُ انكسار في محراب العزيز الجبار، وربما أهلكك عجبُك بطاعتك، وتباهيك بعبادتك.
وربَّ طاعةٍ أورثت النار، وربَّ معصيةٍ أورثت الجنة، وربما كان لهذا العاصي من أعمال الخفاء ما هو أحب إلى الله من طاعتك في العلانية.
فخواتيم الأعمال، وخبايا القلوب، لا يعلمها إلا علَّام الغيوب.
فاستقامتك، أخي الحبيب، لا تعطيك الحق في السخرية من ضلال غيرك، ولا أن تنظر إلى العاصي نظرة استعلاء؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء.
وحين اختارك الله لطريق الهداية، فليس لأنك متميز، أو لأن الطاعة منك، وإنما هي رحمة منه شملتك، وقد ينزعها منك في أي لحظة.
لذلك، لا تغتر بعملك، ولا بعبادتك، ولا تنظر باحتقار إلى من ضل عن سبيله؛ فلولا رحمة الله بك، لكنت مكانه.
وإيّاك، ثم إيّاك، أن تظن أن الثبات على الاستقامة أحد إنجازاتك الشخصية؛ فإن الله تعالى يقول مخاطبًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، فكيف بك أنت، أيها المسكين؟