لم يعد المبتز بحاجة إلى مواجهة ضحيته وجهًا لوجه؛ يكفيه هاتف، وحساب إلكتروني، ومعلومة أو صورة خاصة، حتى يحاول تحويل خصوصية الإنسان إلى ورقة ضغط، والخوف إلى وسيلة للحصول على المال أو فرض الإرادة. لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الشاشة تمنح المجرم حصانة، أو أن الحساب الوهمي يجعل الوصول إليه مستحيلاً.
الابتزاز الرقمي.. متى يتحول الفعل إلى جريمة؟
الابتزاز الرقمي لا يقتصر على طلب المال مقابل عدم نشر صورة أو محادثة، بل قد يتحقق عندما يستخدم شخص وسيلة تقنية لتهديد شخص آخر أو الضغط عليه لإجباره على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو لتحقيق منفعة.
وهنا تكمن خطورة الجريمة؛ فالمبتز لا يستهدف المال فقط، وإنما قد يستهدف الإرادة والخصوصية والسمعة والاعتبار الشخصي.
وقد أحاط المشرّع الأردني هذا السلوك بتجريم مباشر في المادة (18) من قانون الجرائم الإلكترونية.
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على (6000) ستة آلاف دينار كل من ابتز أو هدد شخصاً آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو للحصول على أي منفعة جراء ذلك من خلال استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو موقع إلكتروني أو منصة تواصل اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات»
وهذا يعني أن المشرّع لم ينظر إلى الابتزاز باعتباره سلوكًا عابرًا، وإنما أحاطه بعقوبة جنائية واضحة، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الوسيلة الإلكترونية، وإنما في الغاية التي يريد الجاني تحقيقها من خلال الضغط على إرادة المجني عليه.
فالمجرم لا يكتفي بإرسال رسالة؛ بل يحاول صناعة حالة من الخوف لإجبار شخص آخر على فعل شيء أو الامتناع عن فعل شيء أو الحصول على منفعة.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة الجريمة.
لأن الابتزاز اعتداء على الإرادة قبل أن يكون اعتداءً على الخصوصية.
كما أن قانون الجرائم الإلكترونية يتضمن نصوصًا أخرى تتعلق بأفعال إلكترونية مختلفة، منها نشر بعض البيانات والمعلومات، والاعتداءات الواقعة باستخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات.
هل الحساب الوهمي يحمي المبتز؟
الاعتقاد بأن إنشاء حساب باسم مستعار يعني استحالة الوصول إلى صاحبه اعتقاد خاطئ قانونيًا وتقنيًا.
القانون نفسه يعالج مسائل الأدلة الرقمية، ويعتبر العنوان البروتوكولي (IP) وسيلة من وسائل الإثبات أمام الجهات القضائية الأردنية.
وبالتالي، فإن الاختباء خلف اسم مستعار أو حساب غير حقيقي لا يعني بالضرورة الاختباء خلف مجهولية دائمة.
الابتزاز الرقمي ليس «مزحة»، وليس «خلافًا بين شخصين»، وليس مجرد مشكلة يمكن حلها بدفع المال للمبتز. بل إنه سلوك قد يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، وقد تتفاقم المسؤولية بحسب طبيعة التهديد والفعل المرتكب والظروف المحيطة به.
والأهم أن القانون لا ينظر إلى الشاشة باعتبارها حاجزًا بين الجريمة والعقاب؛ فالجريمة إذا ارتُكبت إلكترونيًا لا تفقد صفتها الإجرامية.
في العالم الرقمي، قد تكون المسافة بين الجريمة والعقاب ضغطة زر فقط.
فمن يعتقد أن خلف الشاشة يستطيع أن يهدد، ويبتز، ويعبث بخصوصيات الآخرين دون حساب، يخطئ في فهم التكنولوجيا والقانون معًا.
وفي النهاية، لا تجعل الخوف يحكمك، ولا تجعل ابتزاز المجرم يتحول إلى صمتك ؛ فحين تبدأ الجريمة من خلف الشاشة، يمكن أن تنتهي أمام القضاء.