ليست الجيرة مجرد صدفة سكن، ولا رقم بيت ملاصق لبيتك. الجيرة ميثاق دم وضمير، وعهد أخذه الله على عباده قبل أن تأخذه القوانين. أوصى بها نبي الرحمة ﷺ حتى كاد الصحابة يظنون أن للجار نصيباً في الميراث. فكيف وصلنا إلى زمن صار فيه صوت الدبكة يعلو فوق صوت القرآن في بيت العزاء؟ وكيف بتنا نرى فرحة تُقام على أنقاض وجع، وكأن مشاعر الناس سلعة رخيصة يجوز دهسها باسم "المناسبة"؟
إن للموت هيبة. للموت حرمة لا يسقطها تقويم ولا يلغيها حجز قاعة. حين يفقد الإنسان عزيزاً، فإن الدنيا تضيق عليه بما رحبت، ويصبح البيت ساحة حداد لا تحتمل عبثاً ولا استخفافاً. في هذا الوقت لا يطلب أهل المصاب مالاً ولا طعاماً، كل ما يطلبونه هو مساحة من الاحترام. مساحة صمت تُسمع فيها الآية، ودعوة صادقة تصل للميت، وقلوب من حولهم تشعر بهم دون أن تزيد جرحهم جرحاً.
ولكن ما الذي نفعله نحن؟ نأتي نحن بكل قسوة لنضع مكبرات الصوت على الجدار الملاصق، ونطلق الأغاني بأعلى درجة، ونحول الشارع إلى ساحة احتفال. ألا نعلم أن هذا الصوت ليس فرحاً؟ إنه صفع على وجه الحزن. إنه إعلان فجّ أن فرحتنا أهم من دمعتكم، وأن مناسبتنا تُلغي مصيبتكم. أي منطق هذا؟ وأي جيرة هذه التي نتبجح بها في المجالس ثم ندوسها بأقدامنا في أول اختبار؟
البعض يتحجج بحجج واهية. يقول القاعة مدفوعة، والفرقة محجوزة، والمعازيم قادمون من بعيد. وكأن الأوراق والعقود صارت أغلى من كرامة الإنسان. وآخر يقول "لم نكن ندري" رغم أن خبر الوفاة يسبق النعش ويملأ الحارة قبل أن يوارى الجثمان. الحقيقة المرة أننا لم نعد نُعظم الحرمات، ولم نعد نربي أنفسنا على أن ننظر حولنا قبل أن نتصرف. صرنا أفراداً أنانيين في مجتمع كان يضرب به المثل في التكافل.
إن ما يحدث هو اعتداء معنوي صريح. هو عنف لا يترك كدمة في الجسد، لكنه يترك شرخاً في القلب لا يلتئم. تخيل أماً ثكلى تسمع الزغاريد وهي تقلب صور ابنها. تخيل أباً كبيراً في السن جاء ليعزي فلم يستطع سماع المعزي بجانبه من شدة الضجيج. تخيل أطفالاً يتامى يسألون "لماذا يفرحون ونحن نبكي؟" بماذا سنجيب؟ هل سنقول لهم إن هذا هو العرف الجديد؟
إن الدين الذي ندعيه، والعادات التي نتفاخر بها، ترفض هذا كله. ديننا أمرنا بإكرام الجار، وعرفنا العشائري كان يجعل من تأجيل الفرح واجب رجولة لا خياراً. كان الكبار يتدخلون، وكان صاحب المروءة يعتذر ويؤجل، لأنه يعلم أن الفرح يمكن تعويضه، ولكن كسرة الخاطر لا تُجبر. أما اليوم فقد انقلبت الموازين. صار الذي يخفض صوته "ضعيفاً"، وصار الذي يراعي مشاعر الناس "معقداً".
كفى عبثاً بمشاعر الناس. كفى استباحة لحرمة الموت. إن كنت لا تستطيع تأجيل الفرح فعلى الأقل ألغِ مكبرات الصوت. افرح في داخلك، واجعل عقد القران بسكينة، واجعل وليمتك بلا استفزاز. أما أن تجمع بين فرحك وحزن جارك في آن واحد وبصوت عالٍ، فهذه ليست حرية شخصية، هذه وقاحة اجتماعية.
أيها الناس، تذكروا أن الأيام دول. اليوم أنت ترفع الصوت، وغداً قد تكون أنت من يطلب الصمت. اليوم أنت تعزي، وغداً ستُعزّى. فازرع اليوم ما تحب أن تحصده غداً. ازرع احتراماً، تحصد مواساة. ازرع تقديراً، تحصد وقوفاً معك في الشدة.
إن ميزان الجيرة لن يستقيم إلا إذا وضعنا مشاعر الآخرين في المقدمة. لن يستقيم إلا إذا علمنا أن قوة المجتمع لا تُقاس بعلو الصوت، بل بعلو الأخلاق. وأن الرقي لا يكون بكثرة الزينة، بل بحجم الاحترام الذي نمنحه لمن حولنا.
ختاماً، رحم الله أمواتنا وغفر لهم، وصبر قلوب من فقدوا. وهدى الله كل من يظن أن فرحه يبرر أذية غيره. تذكروا قول نبيكم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره". فأين نحن من هذا الإيمان؟