ليس الخبرُ ما تُرويه النشرات، ولا ما تلتقطه الكاميرات من زوايا الحادث؛ الخبرُ الحقيقي هو ما يتركه فينا من أثر، وما يوقظه في الضمير من أسئلة. في مثل هذا اليوم، لم تكن عمّان تُدير ظهرها لمشهد عابر، بل كانت تنظر إلى وجهها الوطني وهو يتلقى طعنةً غادرة، حين اعتُدي على رجال أمن أثناء تأديتهم واجبهم، فسقط أحدهم شهيداً، وأصيب آخر وهو يدافع عن هيبة القانون وكرامة الوطن.
قد يبدو المشهد صغيراً في تفاصيله: شارع، ورجل أمن، ولحظة غدر. لكنه في جوهره ليس صغيراً أبداً؛ لأنه لم يستهدف جسداً واحداً، بل استهدف الفكرة التي يقف خلفها كل رجل أمن: أن يكون هناك من يسهر كي ننام، ومن ينتصب كي لا ننحني، ومن يحمل ثقل الأمان كي نمضي في حياتنا مطمئنين. وحين يُطعن حارس الأمن، فإنما تُطعن الثقة التي تجعل المجتمع بيتاً واحداً، ويُختبر عهدٌ ظنّ بعضهم أنه قابل للكسر.
ليس سهلاً أن تكتب عن دمٍ سال على الرصيف بلغة باردة. فهناك دائماً ما هو أكبر من التقرير وأعمق من البيان: صورة الأم التي تنتظر، وبيتٌ كان ينتظر عودة صاحبه، ورفاقٌ وقفوا في وجه الغدر بصدورهم، وضابطٌ أصيب وهو يمنع المعتدي من أن يضيف إلى جريمته جريمة أخرى. هذه التفاصيل ليست هامشاً في الخبر، بل هي متن الحكاية الوطنية؛ لأن الأمن لا يُصنع بالشعارات، بل بأشخاص يضعون أجسادهم بين الخطر والناس.
والمقالة ليست في تعداد الإدانات ولا في سرد الوقائع، بل في استعادة معنى واحد: أن رجال الأمن ليسوا مؤسسة بعيدة عنا، بل هم جزء من نسيجنا اليومي، يمرّون علينا في الصباح، ويقفون على الطرقات في الليل، ويحملون أسماءً وأحلاماً وبيوتاً. وحين يُستهدف أحدهم، فليس المستهدف جهازاً فقط، بل كل بيتٍ نام آمناً بفضل ذلك الجهاز. ولهذا فإن الدم الذي سال اليوم ليس دماً غريباً عنا؛ هو دينٌ في أعناقنا، ودرسٌ في معنى الوطن حين يصبح الوطن مسؤولية لا كلمة تُقال.
لقد كشف الاعتداء الغادر حقيقتين في وقت واحد: أن الغدر يظل صغيراً أمام تضحيات كبار، وأن المجتمع الذي يلتف حول أمنه لا تهزمه طعنة واحدة. وما يبقى بعد الحادث ليس الخوف، بل تلك الوقفة الوطنية التي تجعلنا نؤكد أن حماية رجال الأمن ليست شعاراً موسمياً، بل واجب يومي في الكلمة والسلوك والاحترام. فمن يحمل الأمان للناس، يستحق أن يحمله الناس في قلوبهم.
رحم الله الشهيد، وشفى الجريح، وحفظ الأردن وأهله. وبقيت في الذاكرة عبارة تستحق أن تُكتب على جدران الضمير: الأمن ليس ما نراه، بل ما يدفعه آخرون ثمناً كي نراه.