لا يمكن النظر إلى الجنوب السوري باعتباره مجرد منطقة جغرافية داخل الأراضي السورية، بل يشكّل عمقاً استراتيجياً للأمن الوطني الأردني، وركيزة أساسية لاستقرار الحدود الشمالية للمملكة. ومن هنا، فإن استقرار هذه المنطقة يمثل مصلحة أردنية عليا، كما يمثل ضرورة وطنية لسوريا وشعبها.
إن مصلحة الأردن تقتضي أن تكون المنطقة الممتدة من هضبة الجولان غرباً إلى المناطق الشرقية من السويداء، مروراً بحوض اليرموك، تحت سيطرة الدولة السورية ومؤسساتها، وبمشاركة جميع مكونات الشعب السوري الشقيق، بما يضمن وحدة الأراضي السورية ويمنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة وتصفية الحسابات الإقليمية.
إن وجود عناصر متطرفة، سواء من بقايا الفصائل المتشددة أو من فلول النظام السابق، إلى جانب شبكات الاتجار بالمخدرات وتهريبها عبر الحدود الأردنية، يشكّل تهديداً أمنياً مستمراً. وتشير محاولات التهريب والتسلل المتكررة، التي تمكنت القوات المسلحة الأردنية من إحباط أعداد كبيرة منها، إلى حجم التحديات التي تواجه المملكة، لا سيما في ظل ضعف السيطرة الأمنية على الجانب السوري وغياب الانتشار الكافي للقوات في بعض المناطق نتيجة حالة الانفلات الأمني.
ومن أبرز التحديات التي تواجه البلدين لجوء الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب إلى التواجد بين التجمعات السكانية، واتخاذ المدنيين غطاءً لتحركاتها، تجنباً للاستهداف العسكري، وتأميناً لخطوط نشاطها باتجاه الحدود الأردنية. وهذا الأمر يزيد من تعقيد المشهد الأمني، ويضع السكان المدنيين أمام مخاطر لا علاقة لهم بها.
ولا يتوقف التهديد عند هذا الحد، فهناك محاولات لإدخال الأسلحة والمعدات والوسائل القتالية إلى هذه المنطقة عبر جهات خارجية، بهدف دعم مجموعات مسلحة ترفض الانضواء تحت سلطة الدولة السورية، أو توفير بيئة مناسبة لعودة فلول النظام السابق، وتحويل الجنوب السوري إلى قاعدة انطلاق نحو مناطق أخرى، الأمر الذي يهدد أمن سوريا والأردن على حد سواء.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تنسيقاً أردنياً سورياً مستمراً، وتعاوناً استخبارياً وأمنياً على أعلى المستويات، إلى جانب ضبط الحدود وملاحقة شبكات التهريب وتعزيز حضور مؤسسات الدولة السورية، بما يضمن إنهاء حالة الفراغ الأمني وعدم السماح لأي جهة باستغلال المنطقة لتحقيق أجندات خاصة.
كما لا يمكن إغفال الأطماع الإسرائيلية في هذه المنطقة، وما تمثله من أهمية استراتيجية في الحسابات الأمنية الإسرائيلية. فالجنوب السوري ليس مجرد منطقة حدودية، بل مساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتزداد أهميتها في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي يستدعي وعياً مشتركاً بطبيعة التحديات والمخاطر المحيطة بها.
إن الدفاع عن الأردن لا يبدأ من خط الحدود فقط، بل يبدأ من استقرار المناطق المحاذية لها. فالجنوب السوري المستقر، والخاضع لسلطة الدولة ومؤسساتها، والقادر على حماية مجتمعه ومنع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، يشكّل عمقاً أمنياً مهماً للأردن، كما يشكّل مصلحة وطنية سورية في المقام الأول.
وعليه، فإن استقرار الجنوب السوري ليس شأناً سورياً داخلياً فحسب، ولا مطلباً أمنياً أردنياً منفرداً، بل مصلحة مشتركة ومسؤولية متبادلة، وجزء أصيل من معادلة الأمن الوطني الأردني ومستقبل الاستقرار في المنطقة.