بقلم: اللواء الركن المتقاعد الدكتور محمد خليل بني يونس
بين استيراد الأفكار وتصدير الأعذار
ليست أزمة الإصلاح السياسي في نقص الشعارات، بل في الفجوة العميقة بين ما يُقال وما يُنجز. كما أنها ليست في غياب التجارب التي يمكن التعلّم منها، بل في العجز عن الإفادة منها دون استنساخ، أو الاحتماء بالخصوصية الوطنية لتأجيل الاستحقاقات.
في كل نقاش حول الإصلاح، يتكرر مسلكان متقابلان ظاهراً ومتمائلان نتيجة:
من يستورد تجارب الآخرين وكأنها وصفات جاهزة، فيتنازل عن استقلالية التفكير.
من يرفضها باسم الخصوصية وكأن اختلاف الظروف يعفينا من المراجعة، فيتنازل عن شجاعة النقد.
وبين الطرفين تضيع فرصة بناء نموذج وطني يستند إلى فهم الواقع، لا إلى تقليد الخارج أو تبرير الداخل.
إن المقارنة ليست انبهاراً بالآخر، بل اختباراً للذات: لماذا نجحت تجربة هناك وتعثر تطبيقها هنا؟ وما الشروط المؤسسية والاجتماعية التي صنعت الفارق؟ فالخصوصية الوطنية حقيقة ينبغي أن تُوجّه اختيار الحلول، لا أن تتحول إلى حصانة تحجب مواطن الخلل؛ فهي تفسر اختلاف المسارات، لكنها لا تبرر الإخفاق.
الأحزاب: من تعددية الأسماء إلى فاعلية البرامج
لا تُقاس حيوية الحياة الحزبية بعدد الأحزاب المسجلة، بل بقدرتها على تمثيل المواطنين، وإعداد القيادات، تقديم بدائل سياسية قابلة للتطبيق. أما التعددية التي لا تنعكس في تنافس برامجي حقيقي، ولا تستند إلى مؤسسات داخلية فاعلة، فتبقى اتساعاً شكلياً لا يُعمّق المشاركة.
والسؤال الذي يتطلب إجابة واضحة: كم حزباً يملك برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً محدداً، ويستمر في التواصل مع المجتمع خارج المواسم الانتخابية، ويُتيح تداول المسؤولية داخله، ويقنع المواطن بأنه إطار جاد للتعبير عن مصالحه لا مجرد لافتة انتخابية؟
لا يجوز تفسير عزوف المواطن عن المشاركة باعتباره مشكلة فردية، دون فحص قدرة الأحزاب نفسها على كسب ثقته؛ فالثقة لا تُستجدى بالشعارات، بل تُبنى بالوضوح والكفاءة والممارسة المسؤولة.
مشاركة المرأة: من أرقام التمثيل إلى أثر القرار
إن ارتفاع نسبة تمثيل المرأة في المؤسسات السياسية مؤشر مهم، لكنه لا يكفي وحده للحكم على فاعلية المشاركة.
المعيار الأعمق هو القدرة على التأثير في التشريعات والسياسات، والوصول إلى مواقع القرار، وتكافؤ الفرص في تحمل المسؤولية.
تقدّم رواندا تجربة جديرة بالدراسة، إذ تجاوز تمثيل النساء في برلمانها 60% في فترات متعددة عبر ترتيبات دستورية وانتخابية محددة.
غير أن الاستفادة من هذه التجربة لا تكون باستعارة النسبة، بل بفهم الآليات التي حققتها، وتحديد ما يمكن تكييفه مع واقعنا الوطني.
فالإصلاح الجاد لا يكتفي بإحصاء الحضور، بل يقيس أثره ويُزيل العوائق التي تحدّ منه.
التجربة الأردنية: التقدير لا يعني إعفاء الواقع من النقد
يمتلك الأردن تجربة وطنية تراكمت عبر عقود في ظروف إقليمية وسياسية واقتصادية معقدة. ومن الإنصاف تقدير ما راكمته الدولة من مؤسسات وخبرات، لكن الإنصاف نفسه يقتضي تقييم النتائج، والتمييز بين ما تحقق فعلاً وما لا يزال دون طموحات المواطنين.
احترام التجربة الوطنية لا يعني اعتبارها صيغة مكتملة مغلقة، كما أن النقد لا يعني الانتقاص من الدولة أو إنكار منجزاتها؛ فالمراجعة ضرورة لتطوير المؤسسات وليست خصومة معها. والمواطن لا ينتظر توصيفاً مستمراً للتحديات، بل يريد أن يرى أثر السياسات في فرص العمل، وجودة الخدمات، وعدالة الفرص، وفاعلية التمثيل.
إن المنجز الذي لا يخضع للتقييم يفقد فرصته في التطور، والإصلاح الذي لا يلمس المواطن أثره يبقى وعداً معلّقاً مهما حسنت النوايا.
الاستقلالية السياسية ليست رفضاً للآخر ولا موافقة مطلقة عليه؛ إنها القدرة على التفكير والتحليل والاختيار وفق المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن التبعية والانغلاق معاً. وتبدأ حين نتوقف عن استيراد الإجابات الجاهزة أو اختراع المبررات، ونواجه أسئلة الأداء بوضوح.
المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة خطاب الإصلاح إلى إدارة عملية الإصلاح نفسها؛ من خلال:
تحديد أهداف قابلة للقياس وجداول زمنية ومؤشرات إنجاز.
التقيينم الحقيقي لمخرجات اللجان والخطط.
الاعتراف بالخلل حين تثبته الوقائع، ومراجعة السياسات دون أن تتحول المراجعة إلى معركة دفاع عن الماضي.
فالاستقرار لا يعني تجميد التطوير، والولاء للوطن لا يعني الولاء لكل سياسة قائمة، واحترام المؤسسات لا يعفي أداءها من التقييم والمساءلة.
خاتمة: الإصلاح يُقاس بالنتائج
آن الأوان للخروج من المراوحة بين تقليد الآخرين وتبرير الذات. فلا استنساخ التجارب يصنع نهضة، ولا الاحتماء بالخصوصية يحقق إصلاحاً، ولا تكرار الشعارات يردم الفجوة بين الطموح والواقع.
نحتاج إلى خطاب وطني يعترف بالمنجز دون مبالغة، ويكشف القشور دون مواربة، ويحول النقد إلى بدائل عملية. فالنضج السياسي لا يُقاس بقدرتنا على الدفاع عمّا هو قائم، بل بشجاعتنا في تقييمه؛ ولا بمهارتنا في استحضار تجارب الآخرين، بل بقدرتنا على استخلاص الدروس منها.
الأوطان لا تتقدم بتبرير الواقع، بل بامتلاك الشجاعة لتغييره, ولا تُصان بالتصفيق المستمر، بل بالنقد المسؤول، والقرار المستقل، والإصلاح الذي يُثبت نفسه بالنتائج.