في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، وتتزايد فيه محاولات توظيف الاختلاف لإثارة الانقسام، يبرز الخطاب الإسلامي المعتدل بوصفه ركيزة أساسية في حماية المجتمعات وتعزيز وحدتها. فالأوطان لا تُصان بوحدة الأرض وقوة المؤسسات وحدهما، بل بتماسك أبنائها، واحترام تنوعهم، والتفافهم حول المواطنة والمصلحة الوطنية الجامعة.
وفي الأردن، تتجلى أهمية هذا الخطاب في رسالة عمّان التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عام 2004، لتوضيح حقيقة الإسلام وترسيخ منهجه القائم على الوسطية والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف، والتصدي لمحاولات توظيف الدين في الإقصاء والانقسام. وتنبع خصوصية الرسالة من انطلاقها من الأردن، بما يحمله من إرث هاشمي ودور في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحرص على ترسيخ قيم التسامح والتعايش. وقدمت الرسالة رؤية أردنية تسعى إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، وتعزيز الحوار، وإبراز القيم الدينية القائمة على الرحمة والعدل واحترام الإنسان، بما يجمع بين المسؤولية الوطنية والرسالة الإسلامية ذات البعد الإنساني والعالمي.
رسالة عمّان.. منهج للاعتدال
أكدت رسالة عمّان مبادئ أساسية، أبرزها بيان حقيقة المسلم، والتصدي للتكفير بين المسلمين، وضبط الفتوى وفق الأصول العلمية المعتبرة، واحترام المذاهب الإسلامية المعترف بها، وصيانة الدماء والأموال والأعراض. وتكتسب هذه المبادئ أهميتها من دورها في الحد من التعصب والفوضى الفكرية، وترسيخ الفهم الصحيح للنصوص الشرعية.
فالاعتدال لا يعني التنازل عن الثوابت، بل الالتزام بالعلم والعدل والحكمة، والتمييز بين الاختلاف المشروع والتعصب المرفوض. كما أن حماية النسيج الوطني تقتضي خطابًا يعزز المشتركات، ويحترم كرامة الإنسان، ويرفض تحويل الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء أو التحريض.
المنبر الديني ومسؤولية البناء الوطني
يضطلع المسجد ومنبر الجمعة بدور مهم في تشكيل الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم الأمانة والتكافل واحترام القانون، وتحصين الشباب من الغلو والتطرف. ومن هنا، تبرز ضرورة تأهيل الأئمة والخطباء علميًا وفكريًا، وتطوير أدوات التواصل لديهم، وربط الخطاب الديني بقضايا المجتمع وتحدياته، بما يجعله أكثر قدرة على الإقناع والتأثير.
ولا تقتصر مواجهة التطرف على التحذير منه، بل تتطلب تصحيح المفاهيم المغلوطة، ومعالجة أسباب التعصب، وفتح مساحات للحوار المسؤول، وتقديم المعرفة الدينية الموثوقة بلغة قريبة من الشباب، تعزز ثقتهم بدينهم ووطنهم ومؤسساتهم.
من المبادئ إلى الممارسة
إن استلهام رسالة عمّان يقتضي تحويل مبادئها إلى برامج عملية في المساجد والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والتربوية والوطنية. كما يتطلب حضورًا فاعلًا في الفضاء الرقمي لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، ونشر ثقافة الحوار وقبول الآخر.
غير أن أثر الخطاب المعتدل يظل مرتبطًا بالواقع الذي يعيشه المواطن؛ فتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، واحترام الحقوق، وصون الكرامة الإنسانية، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كلها عوامل تدعم الانتماء الوطني وتمنح الخطاب الديني مصداقية أعمق. فالوحدة الوطنية لا تعني تطابق الآراء، بل القدرة على إدارة الاختلاف بمسؤولية، والتمسك بالقيم والمصالح التي تجمع أبناء الوطن.
الاعتدال ضمانة للتلاحم الوطني
إن صون النسيج الوطني مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية، إلى جانب الأسرة ومختلف مكونات المجتمع. وفي قلب هذه المسؤولية، يأتي الخطاب الإسلامي المعتدل لترسيخ قيم الرحمة والعدل والتسامح، ونبذ الغلو والتعصب، وتأكيد أن قوة المجتمع تكمن في قدرته على إدارة تنوعه بالحكمة والوعي.
وختامًا، تجسد رسالة عمّان إحدى المحطات البارزة في الحضور الأردني في خدمة الإسلام، من خلال تقديم خطاب يستند إلى الوسطية والاعتدال، ويواجه الغلو والتطرف بالحجة والعلم. ولا تقتصر أهميتها على بعدها الديني العالمي، بل تمتد إلى الداخل الأردني، حيث تشكل مرجعية لتعزيز ثقافة التسامح، وصون النسيج الوطني، وترسيخ المواطنة القائمة على احترام التنوع والتمسك بالمشتركات.
ومن هنا، فإن الوفاء لرسالة عمّان يقتضي مواصلة تجسيد مبادئها في الخطاب الديني والتربوي والإعلامي، بما يعزز تماسك المجتمع الأردني، ويحمي وحدته، ويرسخ مكانة الأردن بوصفه وطنًا يلتقي أبناؤه على الاعتدال والمسؤولية والمصلحة الوطنية الجامعة.