حمود، تلك القرية الأردنية التي بنى أهلها مدرستها على نفقتهم عام 1922، وفتحوا أبوابها لأبناء البلدة والقرى المجاورة، لها في ذاكرة الوطن حقٌّ من الوفاء. فمن مقاعد مدرستها امتدّ العلم إلى أبناء شمال الكرك، ومن عطاء أهلها تجسّد معنى أن يخدم الأردني أخاه الأردني، وأن يتّسع خير القرية لجيرانها. واليوم، يقف الأردن إلى جانب أهل حمود، يحمل وجعهم، ويشدّ أزرهم، ويؤكد أن دمهم من دمه، وأمانهم من أمانه.
ما أثقل الفقد حين يترك مكانًا خاليًا في بيت، وصوتًا غائبًا عن أحبّته، وقلوبًا يعتصرها الألم. كلُّ روحٍ أزهقتها هذه الجريمة غاليةٌ علينا، وكلُّ مصابٍ نرجو شفاءه له في قلوبنا مكان، وكلُّ أسرةٍ فجعتها هذه الجريمة لها في بيوت الأردنيين أهلٌ وسند.
إن الجريمة الإرهابية التي طالت أهلنا في حمود هي اعتداءٌ على أمن الأردنيين جميعًا، وعلى قيمهم الراسخة في الأخوّة والتعايش واحترام حرمة الحياة ودور العبادة. وهي جريمةٌ تستوجب الإدانة بأشدّ العبارات، والمحاسبة الحازمة، والعدالة التي تصون حقوق الضحايا وتؤكد أن دماء الأردنيين غالية، وأن أمن الإنسان وكرامته مسؤوليةٌ لا تقبل التهاون.
فلا خلاف يُبيح دمًا، ولا ذريعة تُسقط حرمة الحياة، ولا فكرٌ متطرّف يُبرّر قتل الآمنين، ولا سلاح يعلو على القانون.
من شرب من ماء الأردن، وأكل من خيره، واستظلّ بأمانه، فعليه عهدٌ أن يصون دم أهله ويحفظ حرمتهم. ومن يرتكب جريمةً بحقّهم فقد نكث هذا العهد، وتنكر لحق الوطن والجيرة، واعتدى على القيم التي نشأنا عليها.
نحن شعبٌ جمعته الأرض، وشدّ أزره التعب، ووحّده المصير. مسلمون ومسيحيون، تقاسمنا الخبز والماء، وبنينا مؤسساتنا معًا، وامتزجت دماء أبنائنا دفاعًا عن الوطن. أخوّتنا متجذّرةٌ في بيوتنا وأحيائنا وذاكرتنا، ومواطنتنا المتساوية ركنٌ أصيلٌ من قوة دولتنا ومنعتها. وستبقى هذه الأخوّة أقوى من الكراهية، وأرسخ من أن تنال منها جريمةٌ مهما بلغت بشاعتها.
وإن صون وحدتنا الوطنية واجبٌ يُختبر في ساعات الألم؛ بأن نسند المكلوم، ونرفض التحريض، ونتمسّك بسيادة القانون. وموقفنا واضحٌ وحاسم: لا تبرير للجريمة، ولا تهاون في محاسبة مرتكبيها، ولا سماح باستغلال دماء الضحايا لإشعال الفتنة. فالمسؤولية تقع على من تثبت إدانته، ولا تُحمَّل عائلةٌ أو عشيرةٌ أو طائفةٌ وزر جريمة؛ فقوة الدولة في عدالةٍ تُحاسب الجناة وتحمي الأبرياء.
ونثمّن الجهود التي بذلتها أجهزتنا الأمنية في تعقّب منفّذي الجريمة وإلقاء القبض عليهم، ونعتزّ بكفاءتها ويقظتها وحرصها على حماية أمن الوطن والمواطن. ونؤكد ثقتنا بمؤسسات الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون وتحقيق العدالة، بما يحفظ حقوق الضحايا ويصون أمن المجتمع.
إن مواجهة التطرف مسؤوليةٌ وطنية ومجتمعية مشتركة، تبدأ من الأسرة وتمتدّ إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية وسائر مؤسسات المجتمع. وتتطلب ترسيخ قيم الحوار واحترام الآخر، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز وعي أبنائنا بما قد يتعرّضون له من أفكارٍ تستغلّ عقولهم وتدفعهم نحو العنف.
وفي ذلك، يقع على عاتق الأسرة دورٌ لا غنى عنه: أن يكون الآباء والأمهات قريبين من أبنائهم، يستمعون إلى أفكارهم وتساؤلاتهم، ويتابعون بوعي ما يتعرّضون له عبر منصات التواصل الاجتماعي. فحماية أبنائنا تبدأ بالحوار والثقة والمتابعة الواعية، وبمساعدتهم على التمييز بين المعرفة والأفكار التي تغذّي الكراهية وتستدرجهم إلى التطرف.
وتقوم رسالة التمريض على صون الحياة وحفظ كرامة الإنسان، وتقديم الرعاية لكل من يحتاجها دون تمييز؛ فحرمة الروح واحدة، وحق الإنسان في الرعاية ثابتٌ لا يتغيّر باختلاف الدين أو الانتماء. وأمام هذه الجريمة النكراء، تتجسّد هذه الرسالة في إنقاذ المصابين، وتخفيف معاناتهم، ومساندة أسر الضحايا.
وإن المجلس التمريضي الأردني، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة منى الحسين المعظمة، يستند في موقفه إلى هذه الرسالة المهنية والإنسانية، ويقف مع أسر الشهداء والمصابين، مؤكدًا أن حماية الحياة وصون الكرامة قيمٌ تجمعنا، ومسؤوليةٌ نتشارك في حملها.
وسنبقى ملتفّين حول قيادتنا الهاشمية الحكيمة، بقيادة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين، ثابتين على ولائنا للأردن، مساندين قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا الوطنية في حماية الوطن وإنفاذ القانون. فأمن الأردن ووحدته واستقرار دولته ثوابتٌ وطنيةٌ لا تقبل المساومة.
يا أهلنا في حمود، يا أهلنا في الكرك: وجعكم في قلوبنا، ولكم علينا حقُّ الأخوّة والمواساة والسند. نسأل الله أن يتغمّد شهداء هذه الجريمة بواسع رحمته، وأن يربط على قلوب أهلهم، ويمنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
حمود التي فتحت مدرستها لأبناء الجوار، يفتح لها الأردن اليوم قلبه كلّه. ستبقى حرمةُ الدم عهدًا نصونه، وأخوّتُنا قوةً نحمي بها وطننا، ووحدتُنا أمانةً لا نفرّط فيها.