بقلم: المحامي الدكتور محمد العفيف، رئيس محكمة أمن الدولة سابقاً
لم يكن الاعتداء الآثم الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، يوم الجمعة الثالث والعشرين من تشرين الأول، حادثاً عابراً يُطوى بانتهاء مراسم العزاء. فقد امتدت أيدي الغدر إلى مشيّعين اجتمعوا لوداع عزيز عليهم، فحوّلت لحظة الحزن إلى مجزرة راح ضحيتها تسعة من أبناء الوطن، وأُصيب العشرات، وفق آخر الأرقام الرسمية. وهي جريمة تضعنا جميعاً أمام سؤال قديم يتجدد: ما الإرهاب، وكيف نواجهه؟
ظاهرة قديمة بأدوات متجددة
الإرهاب ليس وليد اليوم، بل هو ظاهرة قديمة رافقت المجتمعات البشرية منذ القدم، وما زالت حاضرة بيننا تتبدّل أدواتها وتتلوّن أقنعتها. غير أن المفهوم الحقيقي والواقعي للإرهاب أنه رسالة قبل أن يكون غاية؛ فالإرهابي لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الانتشار وبثّ الخوف وفرض السيطرة على العقول والمجتمعات. ولذلك تعددت صوره وأنواعه، فمنه الإرهاب العقائدي، والسياسي، والاقتصادي، والصحي، وغير ذلك مما يستهدف أمن الإنسان واستقراره.
جريمة عابرة للحدود
خلال مسيرتي القضائية في محكمة أمن الدولة، التي امتدت قرابة عقدين من الزمن، تعاملتُ عن قرب مع هذا الفكر المتطرف التكفيري الإرهابي، وأدركت أن الإرهاب جريمة عابرة للقارات، تُصدَّر من دولة إلى أخرى، وتشكّل خطراً جسيماً على مستوى الدولة والإقليم والعالم بأسره. ومن هنا فإن مواجهته لا تكون بجهد منفرد، بل بتكاتف الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لمكافحة هذه الآفة والحدّ من ويلاتها المدمرة.
وقد كانت قناعتي طوال تلك المسيرة، ولا تزال، أن العقوبة مهما بلغت قسوتها بحق هؤلاء المجرمين تبقى غير كافية، ولا تتناسب مع خطورة ما يرتكبونه من أفعال تستهدف الأبرياء وتضرب أمن الوطن ونسيجه.
الرؤية الملكية: حرب عالمية ثالثة
لم يكن الأردن غافلاً عن هذا الخطر. فقد أعلنها جلالة الملك عبدالله الثاني، في لقاءاته ومؤتمراته على المستويين الوطني والعالمي، حرباً عالمية ثالثة على الإرهاب، لا من هذه اللحظة، بل منذ سنوات عديدة. وكان هذا الخطاب الملكي الهاشمي المتكرر بمثابة رسالة إلى العالم والمنطقة ومؤسسات الدولة الأردنية، تدعو إلى التنسيق والتكاتف في الاتجاهات كافة لمكافحة هذه الآفة واجتثاثها. واليوم، وقد أكد جلالته أن أمن الأردنيين خط أحمر، وأن يد العدالة ستطال كل من تورط في هذه الجريمة، فإن الرسالة تزداد وضوحاً وإلحاحاً.
أردنيون فقط
ومما يثير استهجاني تداول بعض العبارات في هذا الظرف الحساس من قبيل: مسيحي ومسلم، أو كيان مسيحي وكيان إسلامي. فكل من يعيش على أرض المملكة الأردنية الهاشمية لا يحمل إلا اسماً واحداً: أردني. هذا ما تعلمناه وتوارثناه عن الآباء والأجداد، وهو نهج هاشمي عربي أصيل نشأنا عليه، وبالنتيجة فإن الوطن لكل الأردنيين. ولعل أبلغ ردّ على الإرهابيين هو مشهد الأردنيين من مختلف المحافظات وهم يتقاطرون إلى الكرك لتشييع الشهداء، في صورة تجسد وحدة لا تخترقها رصاصات الحقد.
أقصى العقوبات لكل من ساهم أو حرّض
إنني أؤكد على ضرورة تطبيق أقصى العقوبات، لا على من يرتكب العمل الإرهابي على أرض الواقع فحسب، بل على كل من يساهم فيه أو يشجع عليه أو يروّج له أو يحرّض عليه، بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك من يبرّر هذه الجرائم أو يحتفي بها في الفضاء الإلكتروني. فالكلمة المحرّضة شريكة للرصاصة، ومن يمهّد للجريمة فكرياً لا يقل خطراً عمن ينفذها. وعلى كل من تسوّل له نفسه الإساءة إلى الوطن أو المساس بأمنه ووحدته أن يدرك أن القانون سيكون له بالمرصاد، وأن الدولة الأردنية لن تتهاون في حماية أبنائها.
نحو استراتيجية وطنية استباقية
ولا يكفي أن نحسن الردّ بعد وقوع الجريمة؛ بل علينا أن نسبقها. ومن هنا أدعو إلى تشكيل لجنة وطنية، إن صحّ التعبير، تضم ذوي الخبرة والاختصاص من الجهات الأمنية والقضائية والقانونية والأكاديمية، لوضع استراتيجية وطنية أمنية قانونية متكاملة، تركز على اتخاذ التدابير الاحترازية الوقائية والاستباقية، وتهدف إلى منع وقوع الجريمة قبل حدوثها، والحدّ من ويلاتها المدمرة، ومعالجة منابع الفكر المتطرف قبل أن يتحول إلى سلاح.
رحم الله شهداء الكرك، وشفى المصابين، وحفظ الأردن آمناً مستقراً، وطناً واحداً لكل أبنائه.
أراد الإرهابيون أن تكون رصاصاتهم رسالة، فجاءهم الردّ رسالةً أبلغ: وطنٌ واحد، يقف صفّاً خلف قيادته الهاشمية، في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين.