ذهب أهلنا يوم الجمعة ليعزّوا، لابسين أسود، رايحين يودعوا سيدة من قريتهم في كنيسة مار جرجس. فجأة، تحوّل العزاء إلى عزاءين، والجنازة إلى تسع جنائز. تسعة أرواح راحت وهي تصلي. أطفال ورجال كبار في السن، ناس ما لهم ذنب إلا أنهم كانوا في بيت من بيوت الله.
أنا ابن الكرك، وأعرف حمّود جيداً. حمّود التي إذا فرح واحد فيها فرح الجميع، وإذا حزن واحد حزن الجميع. مسلميها قبل مسيحيها. عمرنا ما قلنا هذا مسلم وهذا مسيحي، كنا نقول هذا ابن عمي وهذا جاري. الإرهاب الذي دخل الكنيسة لم يكن يستهدف المسيحيين فقط، كان يستهدفنا كلنا، يستهدف هذا النموذج الأردني الذي لا يفهمه المتطرفون.
ماذا تعلمنا من هذا الوجع؟
تعلمنا أولاً أن الأمن ليس فقط مسؤولية الشرطي الذي يحمل سلاحه. الأمن يبدأ من البيت. عندما نرى شاباً في الحارة يتغير كلامه، ينعزل، يبدأ يكفر الناس، لا نسكت ونقول "الله يهديه". يجب أن نتكلم معه، مع أهله، مع إمام المسجد، مع مختار الحارة. السكوت هو ما يجعل الفكرة تكبر وتتحول إلى رصاص.
تعلمنا ثانياً أن شبابنا بحاجة لمن يسمعهم. الشاب الذي يقضي 10 ساعات على التيك توك يشاهد فيديوهات تحرض على الكراهية، ثم لا يجد في قريته لا ملعب ولا مركز شباب يعمل بشكل حقيقي ولا فرصة عمل، هذا الشاب سيكون فريسة سهلة. معسكرات الحسين ومراكز الشباب ليست ترفاً، هي جدار الحماية الأول.
تعلمنا ثالثاً أن قوتنا في بعضنا. المشهد الذي لن أنساه هو مشهد جنازة الشهداء يوم الأحد. آلاف من الكرك ومن كل الأردن، المسلم يحمل نعش جاره المسيحي، والأمن العام يحمل النعوش على الأكتاف. هذه هي رسالتنا للعالم: لا يمكنكم كسرنا.
رحم الله شهداء حمّود، وشفى جرحاهم، وحفظ الله الأردن.
الكرك ستبقى كما كانت دائماً، قلعة لا تهزها رصاصة .