حين كان سقراط يفكك أوهام معاصريه في أثينا كان يدرك أن الجهل البسيط خطيئة يمكن تداركها بالتوليد الفكري والمعرفة لكن المعضلة الوجودية والآفة الكبرى تكمن في الجهل المقدّس ذلك الوهم الذي لا يكتفي صاحبه بالظن أنه يعلم بل يمنح جهله هالة من القداسة والرفعة ويتحول في سياق التطرف إلى فخر زائف يبرر سفك الدماء واغتيال الحياة هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة (أوثان العقل)وهو امتداد للجزء الأول:أوثان العقل حين يتقدّس الجهل المنشور على موقع جفرا نيوز الإلكتروني.أولاً: المناسبة والوجع .نتابع بقلوب يعتصرها الألم وعزائم يملؤها الصمود تداعيات الاعتداء الإرهابي الغادر الذي استهدف أهلنا وكنيستنا في قرية (حمود) بمحافظة الكرك ونحن أمام هذه الفاجعة نجد أنفسنا في مواجهة حتمية لا تقف عند حدود السلاح والمنظومة الأمنية فحسب بل هي معركة وعي واجتثاث فكري بامتياز فما جرى ليس سلوكاً جرمياً عابراً بل هو تجسيد وحشي لـ أوثان عقلية جديدة تمارس أبشع صور الاغتراب الإنساني في فضاء فكري مسموم.ثانياً: الجهل المقدّس.. لماذا هو الأخطر؟ لأن أخطر ما تنتجه حاضنات التطرف ليس الجريمة بحد ذاتها،بل "لفخر الإرهابي تلك الحالة النفسية والفكرية المشوهة التي يتحول فيها الجهل التشريعي والإنساني إلى عقيدة يتفاخر بها صاحبها متجاوزاً قيم الفطرة والنسيج المجتمعي لتصبح أداة طيعة بيد جماعات التكفير والعنف لكنّ الدقة التحليلية تقتضي القول إن التطرف ليس ابن الجهل وحده فهو يتغذى أيضاً على الإحباط الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي وضغف الانتماء والولاء فضلاً عن خوارزميات رقمية تكافئ الخطاب الأكثر حدة وتطرفاً ومن ثم فإن اختزال المعركة في نشر المعرفة وحده هو اختزالٌ مخل فالمواجهة الشاملة يجب أن تكون معرفية، ونفسية، واجتماعية وقانونية في آن واحد.ثالثاً: الإرهاب لا يميز بين مئذنة وكنيسة .لقد أثبتت هذه الأحداث بما لا يدع مجالاً للشك أن الإرهاب الأعمى لا يميز بين مئذنة وكنيسة ولا يفرّق بين دماء مسلم ومسيحي واستهداف أهلنا من أبناء الطائفة المسيحية في الكرك الأبية هو استهداف مباشر للهوية الأردنية الجامعة ومحاولة بائسة لشقّ الصف الوطني وغاب عن أذهان هؤلاء أن الأردنيين في كل محنة يثبتون أنهم جسد واحد، يقفون صفاً رصيناً خلف قيادتهم الهاشمية الحكيمة وقواتهم المسلحة وأجهزتهم الأمنية إن حماية الكنيسة هي حماية للمسجد وصون دم الأخ المسيحي هو ذود عن كرامة الوطن بأكمله.رابعاً: من محراب القانون.. مفاهيم تحتاج ضبطاً .قبل الحديث عن الحلول لا بد من ضبط المفاهيم قانونياً وتشريعياً لأن الغموض التشريعي يفتح باب التوسع في التطبيق وتشتيت الجهود ومن محراب القانون نؤصل للمفاهيم التالية: الأمن الفكري: منظومة وقائية متكاملة تحمي العقول من خطاب التكفير والتحريض عبر وسائل تربوية وإعلامية وثقافية لا بوسائل قمعية فحسب. العدالة الوقائية: إجراءات مؤسسية تدبيرية مبكرة تُتخذ قبل وقوع الجرم، هدفها التأهيل والإرشاد وتخضع لرقابة قضائية صارمة لضمان مشروعيتها. الجهل المقدّس: بنية معرفية ونفسية مغلقة ترفض المراجعة وتعتبر الخلاف خيانة وتُسقط حرمة المخالف وتستبيح دمه.وبناءً على ذلك، فإن الأمن الفكري والعدالة الوقائية هما حائط الصد الأول لحماية السلم الأهلي وتفكيك الخطاب المتطرف. إن تعرية الأوعية الفكرية الضحلة التي يتغذى عليها الإرهاب لم تعد ترفاً فكرياً بل هي واجب وطني وقانوني لحماية كرامة الإنسان وصون سيادة الدولة؛ فالقانون الرشيد لا ينتظر وقوع الفاجعة ليحاسب الجاني بل يجب أن يكون منارة تشريعية تستبق الجريمة وتحصّن العقول ضد وباء الضلال.خامساً: حلول موجهة للمواطن حارس الوعي الأول . انطلاقاً من المسؤولية المجتمعية والوطنية نضع أمام المواطن الغيور ركائز المواجهة المباشرة:
1. التثبت السيبراني: نهيب بكل مواطن ألا يكون معبراً للشائعات أو منصة مجانية لإعادة نشر المقاطع غير الموثوقة أثناء الأزمات الأمنية، والالتزام الصارم بالرواية الرسمية الصادرة عن أجهزتنا الأمنية.2. التبليغ الاستباقي كواجب وطني: التخلي عن السلبية والتبليغ الفوري عن أي سلوك مشبوه أو خطاب يحمل بذور التكفير والكراهية في المحيط الاجتماعي أو الرقمي.3. مأسسة الوعي الأسري: رعاية الأبناء ومراقبة تحولاتهم الفكرية واستهلاكهم للمحتوى الرقمي، لحمايتهم من غسيل الأدمغة ومصائد الاستقطاب سادساً: مقترحات إستراتيجية مساندة لأجهزتنا الأمنية المرصد الوطني للأمن الفكري: تشرف عليه مديرية الأمن العام بمشاركة مؤسسات حقوقية وفقهية وجامعية لِالرصد المبكر لخطاب التحريض في الفضاء الرقمي العام تحت رقابة قضائية كاملة تضمن الشفافية والعلنية. التوليد الفكري المستمر: تفعيل دور نقابة المحامين والجامعات والمدارس لبناء مناعة فكرية قائمة على الحوار والتحليل لا التلقين وحرية السؤال. تشريعات وقائية بديلة: تبني تعديلات قانونية تُدخل التدابير الوقائية غير السالبة للحرية لإنفاذ سياسة إعادة التأهيل بدل العقاب المبكر بالاستناد إلى قرنية البراءة والتقاضي العادل. دليل وطني للخطاب الديني الرشيد: دليل مشترك بين وزارة الأوقاف والمجالس الكنسية يركز على المشتركات الأخلاقية وقيم المواطنة وحرمة الدماء. مؤشر دوري للأمن الفكري: يتولاه مركز دراسات مستقل لقياس أثر السياسات المتبعة دورياً سابعاً: ضمانات حقوقية لا تُسقَط الخصوصية: حظر تتبع البيانات الخاصة للأفراد فلا رصد إلا في الفضاء الافتراضي المتاح للعامة أو بإذن قضائي مسبق ومسبّب حرية التعبير: النقد السياسي والاجتماعي والديني المشروع لا يُعد تطرفاً ولا يجوز الخلط بين حرية الرأي والفكر المتطرف. قرنية البراءة: لا عقوبة على بوادر تأثر فكري لم تتعدَ الفضاء النفسي إلى الفعل الجرمي بل يتم التعامل معها عبر مسار تأهيلي طوعي. الرقابة القضائية وحماية حرية المعتقد: كل إجراء وقائي يجب أن يكون قابلاً للطعن أمام القضاء المختص ومواجهة التطرف لا تبرر فرض الوصاية على تدين الأفراد.ثامناً: نداء من محراب القانون للوعي التشريعي والأمن الفكري المجتمعي.. إلى ضمير الوطن 1. التحصين الرقمي: مواجهة الفكر الضال تبدأ من هواتفنا ومنصاتنا فليكن كل مواطن حارساً للوعي.2. صون العيش المشترك: تلاحم المسلمين والمسيحيين في الأردن جينات تاريخية راسخة في عمق التربة الأردنية.3. الالتفاف حول القيادة: رهاننا الرابح وثقتنا بأن الأردن أقوى من المحن وسيبقى واحة للأمن والأمان تحت ظل الراية الهاشمية ستبقى الكرك قلعة شامخة عصية على الفتنة وسيبقى الأردن بمسلميه ومسيحييه نموذجاً حياً للوحدة الوطنية رحم الله شهداء الوطن الأبرار وحمى الله الأردن وطناً حراً عزيزاً آمناً تحت ظل راية عميد آل البيت جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه وحماه، وآل بيته بعينه التي لا تنام اللهم آمين.