رحم الله تعالى العميد الركن خليف عواد السرحان، حامل الرقم العسكري (1497)، أحد رجالات الجيش العربي الأردني الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الوطن والدفاع عن ترابه، وتركوا بصمات مشرّفة في مسيرة المؤسسة العسكرية الأردنية، بما جسّدوه من انضباط وشجاعة وإخلاص وتحمل للمسؤولية.
إن استذكار سيرة هذا القائد العسكري الراحل هو استذكار لجيل من الرجال الذين حملوا أمانة الوطن، وأسهموا في بناء الجيش العربي وتطوير قدراته، وشاركوا في محطات مفصلية من تاريخ الأردن، فاستحقوا أن تبقى سيرتهم حاضرة في ذاكرة الأجيال.
أولاً: السيرة الذاتية
وُلد العميد الركن خليف عواد السرحان عام 1925 في منطقة سما السدود/السرحان، وانتقل إلى رحمة الله تعالى عام 2015، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل العسكري والوطني.
تدرّج الراحل في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة عميد ركن، وتولى عدداً من المواقع القيادية المهمة في الجيش العربي الأردني، كما شارك في معارك وأحداث بارزة من تاريخ الأردن، تاركاً إرثاً من الخبرة والتجربة العسكرية التي يعتز بها رفاق السلاح وأبناء عشيرته وكل من عرفه.
ثانياً: المسيرة العسكرية والتدرّج في الرتب
بدأت المسيرة العسكرية للعميد الركن خليف عواد السرحان في مرحلة مبكرة من حياته، إذ جُنّد بتاريخ 30 كانون الأول 1943، واستمر في الخدمة حتى عام 1944، قبل أن يُسرّح لصغر سنه، بعد أن شاهده كلوب باشا، ثم أُعيد تجنيده عام 1945.
واستمرت خدمته العسكرية حتى عام 1976، متدرجاً في الرتب العسكرية وفق التسلسل الآتي:
1943–1949: جندي احتياط، ثم جندي وجندي أول.
1949–1950: عريف.
1950–1952: نائب.
1952–1956: مرشح.
1956–1961: ملازم ثانٍ وملازم أول.
1961–1965: رئيس.
1965–1969: رائد.
1969–1972: مقدم.
1972–1976: عقيد.
عام 1976: زعيم، ثم عميد.
وبلغت مدة خدمته العسكرية، وفق المعلومات الواردة في سيرته، ثلاثين عاماً وسبعة أشهر ويومين.
وتعكس هذه المسيرة الطويلة رحلة مهنية بدأت من صفوف الجنود، مروراً بمراحل التدريب والتأهيل واكتساب الخبرة، وصولاً إلى مواقع القيادة والتخطيط وتحمل المسؤوليات العسكرية الكبرى.
ثالثاً: أبرز المناصب العسكرية
تولى العميد الركن خليف عواد السرحان عدداً من المواقع العسكرية المهمة خلال خدمته في الجيش العربي الأردني، ومن أبرزها:
الخدمة في الحرس الخاص.
قائد كتيبة الدبابات الخامسة.
مدير أركان الفرقة الرابعة.
قائد اللواء المدرع 91.
قائد الفرقة الثالثة بالوكالة.
وقد عكست هذه المواقع حجم المسؤوليات التي أُسندت إليه، وما امتلكه من خبرة ميدانية وقدرات قيادية وإدارية أهلته لتولي مهام عسكرية متقدمة.
مستشار عسكري في إمارة رأس الخيمة
لم يتوقف عطاء العميد الركن خليف عواد السرحان عند انتهاء خدمته في الجيش العربي الأردني، بل امتد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل مستشاراً عسكرياً في إمارة رأس الخيمة.
وأسهم خلال هذه المرحلة في الاستفادة من الخبرات العسكرية الأردنية، وكان له دور في استقطاب عدد من المتقاعدين العسكريين الأردنيين للعمل في جيش رأس الخيمة، بما أتاح لهم مواصلة العطاء ونقل خبراتهم وتجاربهم إلى ميادين عمل جديدة.
وتُعد هذه المرحلة امتداداً لمسيرته العسكرية، ودليلاً على ما تمتع به من خبرة مهنية جعلته قادراً على مواصلة أداء دوره بعد التقاعد من الخدمة العسكرية في الأردن.
رابعاً: الحروب والمعارك والأحداث التي شارك فيها
1. الدفاع عن القدس عام 1948
لبّى العميد الركن خليف عواد السرحان نداء الواجب للدفاع عن القدس بتاريخ 15 أيار 1948، وشارك ضمن صفوف الكتيبة الثالثة، السرية الأولى، في الجيش العربي الأردني.
وشهدت تلك المرحلة تضحيات كبيرة قدمها جنود الجيش العربي دفاعاً عن القدس، حيث استُشهد قائد السرية عيد ادليم وعدد من الجنود، في مشهد يجسد حجم التضحيات التي بذلها أبناء الجيش العربي في سبيل الدفاع عن الأرض والمقدسات.
وقد شكّلت معارك القدس محطة مهمة في مسيرة العميد الركن خليف السرحان العسكرية، وارتبطت بمرحلة تاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية الأردنية والعربية.
2. حرب حزيران عام 1967
شارك العميد الركن خليف عواد السرحان في حرب حزيران عام 1967، وكان يشغل آنذاك منصب قائد كتيبة الدبابات الخامسة.
وجاءت مشاركته في هذه الحرب ضمن مرحلة عسكرية صعبة واجهت فيها القوات العربية تحديات كبيرة، وشهدت تطورات تركت آثاراً عميقة في المنطقة، لتبقى هذه التجربة جزءاً من سجل خدمته العسكرية الطويلة.
3. معركة الكرامة عام 1968
شارك العميد الركن خليف عواد السرحان في معركة الكرامة بتاريخ 21 آذار 1968، بصفته قائداً لكتيبة الدبابات الخامسة.
وتُعد معركة الكرامة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الجيش العربي الأردني، إذ واجهت القوات المسلحة الأردنية القوات الإسرائيلية، وقدمت نموذجاً في الصمود والتضحية والدفاع عن الأرض.
وقد شكّلت هذه المعركة علامة فارقة في الذاكرة الوطنية الأردنية، وبقيت رمزاً للاعتزاز ببطولات الجيش العربي وتضحيات رجاله.
وتأتي مشاركة العميد الركن خليف السرحان في هذه المعركة امتداداً لمسيرته في ميادين الواجب، وتحمله مسؤوليات القيادة في ظروف عسكرية دقيقة.
4. أحداث الأمن الداخلي عام 1970
شارك العميد الركن خليف عواد السرحان في أحداث الأمن الداخلي عام 1970، وهي مرحلة شهد فيها الأردن مواجهات داخلية مؤلمة وتطورات صعبة أثّرت في أمن البلاد واستقرارها.
وتُعد مشاركته في تلك الأحداث جزءاً من سجل خدمته العسكرية، الذي امتد على مدى سنوات طويلة من المسؤولية والعمل في مختلف الظروف.
خامساً: الدورات العسكرية والتدريبية
حرص العميد الركن خليف عواد السرحان على تطوير قدراته العسكرية والمهنية، والتحق بعدد من الدورات التدريبية في معاهد القوات المسلحة الأردنية، ومن أبرزها:
دورة مدرسة الأغرار في المحطة عام 1945، وكان يحمل الرقم العسكري الإفرادي (9640).
دورة التعليم الحربي عام 1949.
دورة رشاشات فيكر.
دورة المرشحين الرابعة في العبدلي عام 1952.
دورة كلية القيادة والأركان.
وقد أسهمت هذه الدورات في تعزيز خبراته العسكرية وتطوير مهاراته في التدريب والانضباط واستخدام الأسلحة، إلى جانب تأهيله لتولي مواقع قيادية تتطلب مستوى متقدماً من المعرفة العسكرية والتخطيط وإدارة الوحدات.
سادساً: الأوسمة والنياشين
نال العميد الركن خليف عواد السرحان عدداً من الأوسمة والنياشين العسكرية خلال خدمته في الجيش العربي الأردني، تقديراً لما قدمه من جهود وتضحيات في أداء واجباته العسكرية والوطنية.
ومن بينها وسام مئوية الدولة الأردنية، الذي يجسد الاعتزاز بتاريخ الدولة الأردنية ومسيرتها الممتدة، وما قدمه أبناؤها من جهود في بنائها وحماية أمنها واستقرارها.
سابعاً: إرث عسكري ووطني يستحق التوثيق
إن الحديث عن العميد الركن خليف عواد السرحان ليس مجرد استذكار لسيرة ضابط متقاعد، بل هو توثيق لمرحلة مهمة من تاريخ الجيش العربي الأردني، واستحضار لمسيرة رجل حمل مسؤولية الدفاع عن الوطن، وتدرّج في الرتب والمناصب حتى بلغ مواقع قيادية متقدمة.
لقد عاش الراحل سنوات طويلة في ميادين الخدمة العسكرية، وشارك في محطات تاريخية بارزة، من الدفاع عن القدس عام 1948، إلى حرب حزيران عام 1967، ومعركة الكرامة عام 1968، وأحداث عام 1970، قبل أن يواصل عطاءه مستشاراً عسكرياً في إمارة رأس الخيمة.
وتبقى سيرته جزءاً من ذاكرة الجيش العربي الأردني، وشاهداً على جيل من الرجال الذين وضعوا خدمة الوطن في مقدمة أولوياتهم، وأدوا واجبهم بإخلاص وانضباط وتحمل للمسؤولية.
إن توثيق سير هؤلاء الرجال واجب وطني وتاريخي، لما يمثله من حفظ لذاكرة المؤسسة العسكرية، وتعريف الأجيال الجديدة بتضحيات الآباء والأجداد، وما بذلوه في سبيل الأردن وأمنه واستقراره.
رحم الله تعالى العميد الركن خليف عواد السرحان، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء عما قدمه لوطنه وجيشه.
رحمك الله يا أبا المواقف، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وبقي ذكرك الطيب حاضراً في ذاكرة الأهل والعشيرة ورفاق السلاح والوطن.